البحث في الموقع

الرحلات الصحراوية إلى الحجاز، صور ونماذج

إن الرحلة ذات علاقة مباشرة بالأدب؛ لأن الأسلوب الذي استخدم في صياغتها ارتفع إلى عالم الأدب، إذ إن أبرز ما يميز الرحلات أسلوب الكتابة القصصي، المعتمد على السرد المشوق، والمؤثر للتعبيرات السهلة المؤدية للغرض، ولذلك فتصنيفها خاص بكتب الرحلات(1).

فالرحلات مصدر فريد لكثير من النصوص الأدبية شعرا كانت أم نثرا؛ لانفرادها برواية الكثير من النصوص، فالرحالة حرصوا على أن تضم رحلاتهم النوادر، فأدرجوا فيها كثيرا من قصائدهم الشعرية ورسائلهم النثرية مما له ارتباط بظروف الرحلة، وهذا الأمر جعل الرحلات ذات أهمية أدبية خاصة، فأكثر الرحالة لم تعرف لهم أشعارا أو كتابات إلا من خلال ما دونوه في رحلاتهم، لذا عدت بمثابة دواوين لأصحابها، ومجموعات ضمت ألوانا من إنتاج علماء عصرهم وأدبائه(2).

ولاشك أن الرحلات غنية بموضوعاتها، فالرحالة تحملوا عبء رحلاتهم كاملة من مال وجهد، وعليه فقد عدت جهدا ذاتيا واجتهادا شخصيا قائما على إبداعهم وفكرهم وتأملاتهم وآرائهم وأحاسيسهم، وعلى ما أعجبوا به ونقلوه وعلقوا عليه بالإيجاب أو بالسلب، أو مما تمثلوه وصاغوه بأسلوبهم الخاص.

فالرحالة أديب وجغرافي متنقل، ومؤرخ وفقيه وعالم اجتماع، وقد يطغى جانب على آخر بحسب ميل الرحالة، فبعضهم شعراء فدفعهم ذلك لقوله في المواقف المختلفة أثناء رحلتهم، ولاسيما عند فراقهم لموطنهم، وتوديعهم للأهل والأصحاب، وعند ملاقاة العلماء، أو الحنين للوطن وربوعه، أو عند الاقتراب من مكة المكرمة أو المدينة المنورة، وكل هذا كان متجسدا في رحلات المغاربة(3).

لذا كانت الرحلة تتأثر بشخصية كاتبها الذي يكن همه فقط إيراد الحقائق، بل التأثير في قارئها أيضا، فظهرت شخصيات الرحالة، وطبيعة أمزجتهم، ونفسياتهم من خلال ما سجلوه، وهذا من مميزات الرحلات العديدة(4).

ولا ريب أن الرحلات كانت بمثابة مصادر شاملة سجلت فيها جوانب متعددة فيما يخص الجوانب الحضارية على امتداد أزمنة متتالية، فالرحلة تتطلب اتساع المعارف وتنوعها، لأنها تستخدم الجغرافيا، وتستند إلى التاريخ عند التعرض لوصف المسالك والمدن والمعالم وبدايات الأمور، بل ورصد الظواهر الاجتماعية غير المألوفة لديهم، وكذلك الاقتصادية، ويتبعها السياسية بنسب متفاوتة وعرض ذلك بزي الأدب وطابعه، فكل باحث يجد ضربا من المعرفة يستخرجه ويقدمه وهو مطمئن لنتائج بحثه بشرط دراستها بشكل واف، وببصيرة نافذة، ومقارنة جيدة، فهي وثائق تقدم لنا صورة حية عن المجتمع الإسلامي وتطوره أو تأخره ، وأسباب ذلك(5).

فنجد الرحلات مزيجا من تلك العلوم مجتمعة، ومن ثم لا يمكن تصنيفها في جانب على حساب الجانب الآخر، فكل ناحية تنتظر الإخراج للإفادة منها، وكثيرا ما أظهرت الرحلات أسماء علماء لم تكن لتظهر لولا هي(6).

وإذا أمعنا النظر فيها وجدناها قصة تحكي أحداثا مستمدة من الواقع، وبشخصيات حقيقية، وهي بذلك تقدم صورة تاريخية لمدة نابضة بطبيعة العصر الذي عاش فيه الرحالة، وهو ما يؤدي إلى التعرف على واقع البيئة التي شاهدها والمجتمع الذي اختلط فيه، فالرحلة بذلك تجسد بعض الحقائق المعرفية عن المرحلة التاريخية التي عايشها الرحالة(7).

ونلاحظ أن كل من كتب عن الرحلات قد مهد الطريق، وأسهم في الكشف عن جوانب مجهولة فيها. ونستطيع القول: إن ثمار الرحلة يتعذر حصرها، ولاسيما إذا كان الرحالة متمتعا بقوة الملاحظة، وشهوة التطلع، ويقظة الحواس، والرغبة في التحصيل، والحرص على التدوين والتسجيل(8).

اهتم هؤلاء الرحالة المغاربة بتسجيل رحلاتهم من حين خروجهم من موطنهم إلى حين عودتهم مرة أخرى في مدونات قد تطول أو تقصر، ولكنها في النهاية أصبحت وثائق تاريخية أدبية وجغرافية واجتماعية واقتصادية وعلمية لمن أتى بعدهم.

تتعدد الدوافع التي تحمس الإنسان للرحلات، وتختلف من شخص إلى آخر، ومن قوم لقوم، ومن عهد لعهد، إلا أنها في الأغلب لا تخرج عن أن تكون: دوافع دينية، وعلمية أو تعليمية، وسياسية، وسياحية أو ثقافية، واقتصادية، وصحية وغيرها(9).

وأيا ما كان الغرض من الرحلة فإنها في أغلب الأحوال سلوك إنساني حضاري، يؤتى ثماره على الفرد وعلى الجماعة، فليس الشخص بعد الرحلة هو نفسه قبلها، وليست الجماعة بعد الرحلة هي ما كانت عليه قبلها(10). يقول أبو الحسن المسعودي: «ليس من لزم جهة وطنه، وقنع بما نمي إليه من الأخبار من إقليمه، كمن قسَّم عمره على قطع الأقطار، ووزَّع بين أيامه تقاذُف الأسفار، واستخراج كل دقيق من معدنه، وإثارة كل نفيس من مكمنه»(11).

وليس من شك أن السفر جامعة تحفل بالدروس والعبر، وتحتشد بالعلم والمعرفة، وتشحذ العقل والوجدان، وتزيد في الفهم والإدراك، وتصقل الشخصية بفضل قساوة التجربة وحرارة المواقف ورهبة المغامرة وطلعة الجديد في كل شأن ومواجهة المفاجآت، وتحمل مشاق الغربة والسفر، والاطلاع على الطبائع المختلفة، والاعتياد على الغريب والتمرس بمعاملته(12).

ومن هنا تصبح الرحلة اليد التي تمتد لتقرب شعوبا تناءت عن شعوب، وأقواما إلى أقوام، تفصل بينها البحار والقفار(13).

إن الرحلة بهذا تعد حلقة رائعة ومثيرة من تلك المنظومة الإلهية، التي تشمل الكون وتوجه أنساقه البشرية والطبيعية لتحقيق المزيد من محاولات اكتشاف الذات الإنسانية، واختراق حاجز المسافات الطبيعية لاكتشاف الحياة على الأكوان المختلفة، وليس من شك أن الإنسان ـ أراد أم لم يرد ـ وهو يسعى إلى العمل استجابة للحياة، فإنما يعمل لصالحها ويؤكد علو شأنها وينتصر لكل ما خلق الله من الخير والجمال(14).

وقد زخرت القرون الأخيرة بالعديد من الرحلات الحجازية التي كان هدفها الأساس أداء فريضة الحج وزيارة الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة والبقاع التي شهدت بدايات الدعوة الإسلامية.

ولاشك أن الرحلات إلى الحجاز لأداء فريضة الحج شهدت زمنين متباينين عرفت في الأول الازدهار، فتكاثرت وتطورت أشكالها ومضامينها، وفي الثاني اعتراها الفتور الذي كان مرده الأحوال الأمنية(15).

ومما يؤسف له أنه لم يكشف حتى الآن إلا عن القليل من هذه الرحلات، في حين حفظت لنا كتب التراجم والتاريخ بل والرحلات أسماء رحالة لا نعرف عن رحلاتهم شيئا إما لفقدانها، وإما لأنهم لم يدونوها، وربما يظهر لما في القريب ما يشفي الغليل منها. وحتى ما وجد الآن من مخطوطات لا يزال أكثره رهين رفوف المكتبات، ويفتقر إلى التحقيق والنشر(16).

وقد اقتصرنا في بحثنا هذا على التعريف بسبع رحلات قام بها علماء الصحراء المغربية وموريتانيا، وفق الترتيب الزمني:

1 ـ رحلة ابن بابا التيجاني المتوفى سنة (1262هـ/1846):

توجه الشيخ التيجاني بن باب أو بابا إلى المشرق وهو شاب على طريق الغرب برا، ثم نزل من مراكش إلى الجديدة، فركب في البحر إلى طنجة فأصابه الميد الشديد، فعزم أن يحجَّ برا، وفعل ذلك عام 1257هـ/1841م(17).

التزم في رحلته ذكر من لقيه من الأعلام في وجهته لبيت الله الحرام، وابتدأ بأشياخه الذين قرأ عليهم، كوالد ووالدته وغيرهما.

فهذه الرحلة رآها عنده أحمد بن الأمين الشنقيطي وقد كمل منها مجلدا؛ وذلك قبل أن يجتاز بلاد الواسطة، والجريد، وتونس، والبلاد المشرقية...(18)، ومعنى هذا أن المجلد الثاني كان يعنى بوجود التيجاني في الحجاز بالحرمين الشرفين؛ حيث نرى أن موقفه لعرفة صادف 21 يناير(19).

ويخبرنا صاحب الوسيط أن العلامة المغربي عبد الجليل برادة سنة سبع عشرة وثلاثمائة وألف بالمدينة المنورة حدثه بأن الرحالة التيجاني أقام بالمدينة سنة تزوج فيها إحدى بنات أهل المدينة، وأنه مات، هو وصديق له اسمه المختار، في يوم واحد، ودفنا بالبقيع(20).

2 ـ رحلة الطالب أحمد المصطفى ابن طوير الجنة الصحراوي التشيتي المتوفى سنة (1266هـ/1846):

هذه الرحلة تحمل عنوان: «المنى والمنة لجامعها ومنشئها الطالب أحمد المصطفى ابن طوير الجنة»، وهي رحلة حجازية مفعمة بمناقب الأولياء، ووصف مشاهدهم.

بدأ ابن طوير الجنة رحلته سنة 1245هـ وانتهى منها سنة 1250هـ، وقد قاربت مدتها خمسة أعوام ـ ما يجعلها من أطول رحلات بلاد المغرب الكبير ـ، ومر خلالها بالمغرب ذهابا وإيابا على عادة معظم الحجاج الوافدين من الصحراء أو بلاد السودان، فكانت فرصة ليتحدث الرحالة عن المغرب أيام السلطان أبي زيد عبد الرحمن ابن هشام الذي استقبله وأركبه من العرائش إلى الإسكندرية؛ حيث سافر من سويس إلى ينبع البحر(21)، ومنها انطلق مع عرب جهينة إلى المدينة المنورة، ومكث فيها سبعة أيام، ثم انطلق منها إلى مكة المكرمة بصحبة ركب الحج المدني وهي القافلة التي كان ينظمها أهل المدينة المنورة للحج، وقطع المسافة بين مكة والمدينة في عشرة أيام، حيث وصلها صبيحة اليوم السابع من ذي الحجة، ثم انطلق إلى منى صبيحة اليوم الثامن، وخرج منها بعد الفجر إلى عرفات، حيث وصف موقف الحجيج بها، يقول: «وقفنا في موقف عرفة مع الجمع الغفير من الركاب حجاج الآفاق، ولا يعلم عددها إلا الله خالقها، فما هي في ذلك الموقف إلا مد البصر من كل جهة».

والجميل في الرحلة أن المؤلف يستطرد خلال سرده إلى ذكر بعض الأحداث وأحكام المناسك والمواعظ، حسبما يقتضيه السرد، وظل في مكة مدة خمسة عشر يوما، وتوجه منها مرة أخرى إلى المدينة المنورة، حيث رغب أن تكون بداية رحلته وخاتمتها زيارة المدينة المنورة.

وقد تحدث عن الرحلة باختصار المراكشي في كتابه «الإعلام» بقوله: «رحل للحج سابع جمادى الأولى عام 1245هـ، وتلاقى بمراكش بمولاي عبد الرحمن سلطان المغرب، وتلاقى بسيدي التهامي الأوبيري، وأنزله السلطان بجامع الولي القطب سيدي ميمون الصحراوي، وزار رجال أغمات، وأصله منها؛ لأن جده السابع قدم منها، ولقي سيدي محمد الفران وأضافه باللبن والخبز والإدام، وكتب السلطان لقائده بالعرائش ليركبه من العرائش إلى الإسكندرية، وزار في الاسكندرية المرسي والبوصيري وابن الحاجب، وسيدي عبد الله المغاوري، وزار بمصر الشيخ خليل...، وسافر من سويس إلى ينبع البحر بقصد تقديم الزيارة ومكث في المدينة سبعة أيام، ومنها سافر لمكة فوصلها سادس ذي الحجة، وخرج من مكة في الثاني أو الثالث والعشرين من ذي الحجة، ورجع إلى المدينة المنورة فمكث بها سبعة عشر يوما، ولما وصل إلى طرابلس الغرب لقي من علمائها قاضيها البنغازي، ومن طرابلس رطب البحر إلى صفاقس ومر بجزيرة جربة وزار بصفاقس الإمام اللخمي....، ومكث في تونس ستة أشهر ينتظر سفينة إلى جبل طارق أو طنجة، ثم خرج من تونس آخر يوم من جمادى الأولى في البحر قاصدا الجزائر، فردتهم الريح إلى بجاية، وبها لقي الولي الصالح سيدي محمد بن عبد الوهاب الإدريسي، ومن هناك أركبه الفرنسيس في مركب حربي هو ومن متعه بعد أن بقوا في الكرنتينة عشرة أيام، وصلوا جبل طارق فاستدعاهم الحاكم هناك وضافوهم، ثم ذهبوا إلى طنجة، وهناك نزلوا من المركب المذكور، ثم ذهب إلى مراكش ثم فاس، ونزل في مقصورة القرويين، واشترى هناك نفائس من الكتب بواسطة السلطان مولاي عبد الرحمن، ثم سافر للصويرة، ومنها سافر هلال صفر عام 1250هـ.

انتهى من كتابه رحلته المسماة «رحلة المنى والمنة، لجامعها ومنشئها الطالب أحمد المصطفى بن طوير الجنة»(22).

فابن طوير الجنة الرحالة ونص «رحلة المنى والمنة» مشهوران تناولتهما الدراسات والمقالات، ولم يقتصر تناولهما على الباحثين العرب بل تجاوزهم إلى المهتمين بهما من دارسي الغرب.

وكان من أقدم تلك المعالجات ما يعود إلى سنة 1977م حين كتب عنها الأستاذ عبد القادر زمامة مقالا في مجلة البحث العلمي بعنوان: «رحلة من القرن 13هـ/19م لجامعها ومنشئها الطالب أحمد بن طوير الجنة»(23)، ثم قام الباحث البريطاني هـ. ت. نوريس الأستاذ بمعهد الدراسات الشرقية والإفريقية التابع لجامعة لندن بتحقيق الرحلة وترجمتها إلى اللغة الإنجليزية تحت عنوان: «The pilgrimage of Ahmed, Son of the Little Bird of Prardise»(24)، وقد علق على هذه الترجمة الدكتور أبو القاسم سعد الله في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق في مقال بعنوان: «حول رحلة ابن طوير الجنة»(25)، ثم الأستاذ الدكتور محمد المنصور كلخة في مجلة المناهل في مقال تعريفي بعنوان: «رحلة أحمد بن طوير الجنة»(26)، وتناولها أيضا الدكتور صفاء خلوصي في مقال بعنوان: «كتاب حجة أحمد بن طوير الجنة»(27).(28)

وقد طبعت أربع طبعات؛ الأولى عن المؤسسة الوطنية بالجزائر بتحقيق الدكتور أبو القاسم سعد الله القماري(29)، والثانية عن دار الكتب العلمية، بيروت عام 1434هـ بتحقيق الدكتور حماه الله ولد السالم،معتمدا على نسخة خطية وادانية نادرة، والثالثة بتحقيق الأستاذة زينب بنت الطالب أحمد، والرابعة عن منشورات مؤسسة الشيخ مربيه ربه لإحياء التراث والتنمية بتحقيق الدكتور محمد الظريف، معتمدا على ثلاث نسخ مخطوطة مختلفة من حيث الحجم والعناية والخط، كما استند على تحقيق الأستاذة زينب بنت الطالب أحمد.

وهي نصوص تعرف بالرحلة مضمونا وتحليلا وتعرف بصاحبها ترجمة وتعريفا، إلا أنها في الغالب لم تستوعب مضامين الرحلة بل تأخذ أطرافا من هنا وهناك(30).

3 ـ رحلة محمد بن سيدي محمد المتوفى بعد (1250هـ):

تعتبر رحلة محمد ابن الشيخ سيدي محمد من الرحلات التي تركت صدى في المكتبة المغربية، حيث تمت أيام السلطان المولى عبد الرحمن الذي استقبل صاحبها بحفاوة هو ومن معه، وأمن له الرحلة عبر البحر.

ويحدثنا أحمد ابن الأمين الشنقيطي عن محمد بن سيدي محمد لما عزم على الحج بقوله: «فاشرأبت نفسه إلى حج بيت الله الحرام وزيارة نبيه ﷺ، فوازره على ذلك صديقه وابن عمه، سيدي أحمد بن حرمة ابن الصبار العلوي، وكان لهما ابن عم آخر، فوافقهما على ذلك»(31).

ولما وصلا إلى مُرَّاكش نزلا عند محمد الأمين بن أبي ستة(32)الذي أبلغ خبرهما إلى السلطان، فأمره باحضارهما، وبعد سلامهما عليه استقصى خبر الجهة التي قدما منها، وأنشده محمد ابن الشيخ سيدي محمد قصيدتين(33).

ثم إنه ـ رحمه الله ـ بعد مقابلة مولانا السلطان عبد الرحمن وحفاوته به وبمن معه، ركبا البحر متوجهين إلى الحرمين الشريفين، وفي الركب ابن أبي الشيكر (بكاف معقودة) قائد أبناء أبي السباع فبدءوا بالزيارة، ثم قضوا حجهم، فتوفى ـ رحمه الله ـ بين مكة وجدة. ولم نعثر له على نظم في الحجاز، سوى بيتين قالهما لإبراهيم القاضي صاحب الصولة في الينبوع وضواحيه. وكان تلقى ذلك الركب بما ينبغي، وهما:

يا قاصداً بطحاَء مكة يرتجي

 

نيل الطواف ببيتها المرفوع

لا نخش من ينبوع حاجِك غورةً

 

ما دام إبراهيمُ باليَنْبوع(34)

 

4 ـ رحلة الشيخ ماء العينين (1328هـ/1911م):

رحل الشيخ ماء العينين إلى الديار المقدسة سنة 1274هـ/1856م، وصف فيها كيفية خروجه من الحوض إلى مكة والمدينة ورجوعه منها، وأحوال البلدان التي مر بها، والعلماء الذين التقى بهم، وغير ذلك من المعلومات.

تم طبع هذه الرحلة بالمطبعة الحجرية بفاس، لكن يبدو أنه لم يبق لها أثر، وقد ذكر الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين في مذاكرة علمية بمنزل الأستاذ ماء العينين أنه يتوفر على جزء هام منها(35).

وهي رحلة وصلتنا أصداؤها عما سيرويه العلامة ابن العتيق في الرحلة المعينية الآتية الذكر، فلقد نقل عنها عددا من المقاطع، خاصة ما يتعلق بمكة المكرمة(36).

وهكذا فبعد حديث ابن العتيق عن ذرع الكعبة بالقدم علق على معلوماته بقوله: ويعضد هذا ما ذكره شيخنا الشيخ ماء العينين في رحلته، وإن كان يخالفه بيسير، ـ مشيرا إلى ما حرره الفقيه عبد الله محمد ابن كرامة العامري في كتابه «دلائل القبلة» ـ، ثم أورد نص ما قاله شيخه... إلى أن قال: انتهى كلام شيخنا الشيخ ماء العينين(37).

ثم نقل عنه كذلك نصوصا حول قدر المسجد الحرام، وعدد ما فيه من الأساطين والقناديل(38)، والمكتوب على لباس الكعبة الشريفة(39)، وفوائد ماء زمزم(40)، وعدد أبواب المسجد الحرام، ومناراته، وأسماء الجميع، وكيفية كسوة الكعبة(41).

كما أورد حكاية الشيخ ماء العينين مع النفر الثلاثة الذين لقيهم بمكة المكرمة، واجتمع بهم عند الكيزان الموضوعة في الحرم، وتحدث معهم ما شاء الله(42).

5 ـ رحلة محمد يحيى الولاتي (1330هـ/1912):

تمثل الرحلة الحجازية للعلامة محمد يحيى الولاتي نموذجا حيا للمعارف العلمية والفتاوى الفقهية والمعطيات التاريخية والحضارية والنصوص الأدبية وغيرها من الفوائد والطرائف، باعتبار التكامل المعرفي الذي تحقق في روافد تكوينه العلمي، والنظر إلى سعة الآفاق التي شملتها رحلته، حيث ابتدأت من ولاتة في موريتانيا حاليا وشملت أجزاء من جنوب المغرب، خاصة كلميم وإفران وتازروالت وإليغ والصويرة والرباط وتونس والأسكندرية والقاهرة وبلاد الحجاز.

وكان خروجه من ولاتة مسقط راسه يوم 7 رجب عام 1311هـ/14 يناير 1894م، وبم يرجع غلى بلاد شنقيط ويلق عصا الترحال إلا يوم 6 شوال عام 1317هـ/7يناير 1900م، ومعنى ذلك أن رحلته دامت ست سنوات.

وكانت هذه الرحلة زاخرة باللقاءات والمناظرات العلمية مع علماء المغرب وتونس ومصر والحجاز، كما تعكس جملة من الوقائع التاريخية والجوانب الحضارية في المجتمع من النواحي السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية والفكرية والتربوية والروحية.

وفضلا عن ذلك تزخر بنصوص شعرية أنشدها الولاتي، ومنها: قصيدة في سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه(43)، وقصيدة في أدب زيارة النبي ﷺ وأهل البقيع وأهل أحد وسائر المشاهد(44)، وقصيدة في الحث على احترام أهل المدينة(45).

ومما يعكس المكانة العلمية لرحلة الولاتي اشتمالها على أزيد من أربعين ما بين مصنف وشرح ونظم وفتوى(46).

ومما اشتملت عليه هذه الرحلة مناظراته مع العلامة سيدي محمد بن العربي الأدوزي في ست مسائل(47)منها:

هل على من قلد العوام أن يجريهم على مشهور مذهبه لأنه إمامهم، أو له ذلك وأن يُجريهم على القول الذي يناسب حالهم عزيمة أو رخصة على أنهم لا مذهب لهم؟(48)

ومن الفتاوى والأجوبة الواردة في الرحلة:

ـ حكم الجمعة في مسجد كلميم القديم بعد نقلها إلى المسجد الجديد(49).

ـ إفتاؤه في أربع مسائل تتعلق بالقضاء على مذهب الإمام مالك، سئل عنها وهو بالمدينة المنورة(50).

ـ جوابه عن علم الباطن والحقيقة هل هو مخالف لعلم الظاهر والشريعة(51).

ـ رسالة في حكم ثبوت الهلال بخبر الهاتف والتلغراف، وهي بعنوان: «حسام العدل والإنصاف في إبطال شهادة رؤية النار وسماع المدفع وضرب التلغراف»(52).

ـ فتوى فيما يفعله أهل المغرب من الذبح على قبور الصالحين والاستغاثة بهم(53).

ـ فتوى فيما يفعله بعض المتصوفة من الرقص والتغني(54).(55)

صدرت الرحلة عن دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1990م، بتخريج وتعليق محمد حجي، في مجلد يتكون من (407 صفحة).

6 ـ رحلة الشيخ مربيه ربه المتوفى سنة (1361هـ/1942م):

قام الشيخ مربيه ربه برحلتين إلى الحج: الأولى سنة 1356هـ/1937م، يقول عنها ماء العينين بن العتيق: «فلما كانت سنة ست وخمسين يسر الله بفضله للشيخ مربيه ربه الرحلة إلى الحج، فبعث إلي حسبما عاهدني رغبة منه في صحبته إياه، فلم يبلغني رسوله، لان تلك الأيام قادنا المرعى إلى صحراء بعيدة، فلم يمكن الرسول بلوغنا، ولن نعلم بحج الشيخ إلا بعد إيابه، فمسني حزن من الأسف والندم على ما فاتني من مرافقته إلى الحرم»(56).

والثانية قام بها سنة 1357هـ/1938م رفقة زوجته وابنه محمد شيبة ووفد هام رسمي، يقول ماء العينين بن العتيق: «فلما كانت سنة سبع وخمسين قدمت على الشيخ ـ أعزه الله ـ بمدينة الطرفاية في جمادى الأولى للسلام عليه والزيارة منه وتهنئته بالحج وزيارة رسول الله ﷺ، وأنشدته قصيدة في مدحه وتهنئته. فلما فرغت من إنشادها ارتاح لها...، ثم قال لي: لكن أبشرك، سنحج هذا العام، إن شاء الله معا، لأن الدولة الإسبانيولية عهدت إلي أني أحج ثانيا في الباخرة التي حججت فيها العام الماضي، وأن تحج معي رفقة أكثر من رفقائي الماضين، وقالوا لي: سم من شئت منهم لنا كتابة، وأول من كتبت اسمك، وإذا وصل وقت السفر سأعلمك إن شاء الله أينما كنت»(57).

ولم تزل رسائل الشيخ أعزه الله تترا علي مبشرة بأن الحال على حاله...، إلى أن قدم علينا الأستاذ القدوة الشيخ عبدات ابن شيخنا الشيخ ماء العينين في الثاني عشر من شوال في العام المذكور الذي هو عام 1357هـ وصحبته كتاب من عند أخيه سيدنا الشيخ مربيه ربه، بعثه متضمنا إلي استقدامي على حضرته الشريفة بالطرفاية، ومخبرا بأنه حان الوقت المنتظر، وأني آخذ في أهبة السفر»(58).

«فلما كانت ليلة الخميس القابلة، جمع الشيخ مربيه مربه من بالمدينة من ركب الحجيج المتوجه من الجهة الجنوبية الصحراوية في داره، وأفاض عليهم ملاذ الطعام والشراب، ثم وعظهم وذكرهم بما يجب عليهم من الطاعات والقيام بأداء ما افترض عليهم، أرشدهم إلى المواظبة على الأذكار والأوراد وترك ما لا يعني من سفاسف الأمور، والاشتغال بتعلم أحكام قواعد الدين، خصوصا مناسك الحج الذي هم بصدده، وذكرهم بعض ما ورد من الآثار الدالة على فضله وكثرة أجره، وحضهم على الإخلاص فيه وفي غيره من العبادات، وعلى تقوى الله العظيم في السر والعلانية»(59).

ثم قال دام عزه: «وعليكم أن تشكروا الله على تيسير تهيئكم لركوب هذا المركب الفاخر الذي صنعته الدولة الإسبانيولية وأعدته للركوب إلى حج بيت الله الحرام، وأنعمت بركوب الكثير من أعيان المسلمين وعامتهم فيه، متحملة جميع لوازمهم من كراء وزاد وضرائب وما تدعو له الحاجة في طريقهم ذهابا وإيابا، وهذه مزية امتازت بها هذه الدولة من بين الدول الأجنبية»(60).

«ثم لما كان ضحى الغد، وهو يوم الخميس الثاني والعشرين من شوال عام سبعة وخمسين بعد ثلاثمائة وألف، موافق خمسة عشر من دجنبر سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة وألف مسيحية، خرج سيدنا الشيخ مربيه ربه ومعه ركب الحاج وسائر أهل المدينة لساحل البحر في هيئة جميلة وأبهة حسنة وسكينة عجيبة، والضلوع تلتهب، والدموع تنسكب، وقد شق على المقيم فراق المسافر الموادع، والمسافر متردد بين الفرح المتوقع والحزن الواقع، فلما انتهى التشييع اشتركنا الدعاء بعد التوديع ركب من هناك من ركب الحجيج الشفينة لجهة جزيرة كناري قيلولة اليوم المذكور، وبقي سيدنا الشيخ مربيه ربه ينتظر ركوب الطيارة»(61).

فلما كان آخر النهار يوم السبت نزلت الطيارة وفيها الشيخ مربيه ربه ومعه زوجته فاطمة بنت السيد السباعية أم ولده محمد شيبة المذكور ومعه ابن أخيه السيد ماء العينين بن الشيخ أحمد الهيبة، فصار الركب ثمانية عشر رجلا وامرأة، فلما كان بعد صلاة العشاء ليلة الأحد ركبوا جميعا البحر، ولبثوا فيه ثلاثة أيام، فرسا بهم عشية يوم الثلاثاء السابع والعشرين من شوال عند مدينة قادس، فباتوا بها، ثم ركبوا بعد صلاة الصبح على السيارات البرية، ونزلوا وقت ارتفاع النهار عند القرى المسماة بالخزيرات، ثم ركبوا عشية نفس اليوم، وهو يوم الأربعاء البحر الأبيض المتوسط فرسا بهم عند سبتة، ونزلوا بها وقت الغروب(62).

وبقية تفاصيل الرحلة سيأتي ذكرها أثناء كلامنا عن الرحلة المعينية لماء العينين بن العتيق.

توجد نسختها لدى أبناء الشيخ مربيه ربه بخزانته الخاصة بتافودارت(63).

 7 ـ رحلة ماء العينين ابن العتيق (1376هـ/1957):

هذه رحلة تشكل لونا آخر من التعلق بزيارة مكة والبيت الحرام وأداء المناسك المعينية، تحمل الرحلة عنوان: «الرحلة المعينية».

ينتمي صاحبها ابن العتيق إلى بيت عالم شهير: بيت الشيخ ماء العينين ـ رحمه الله ـ، فهو إذن من تخوم صحراء المغرب التي كانت ترزح تحت نير الاستعمار الإسباني(64).

تندرج الرحلة المعينية ضمن الرحلات الحجازية، وهي كما يدل على ذلك عنوانها رحلة ماء العينين بن العتيق إلى الحجاز ضمن الوفد الصحراوي الذي أدى فريضة الحج سنة 1938م برئاسة الشيخ مربيه ربه، على نفقة المخزن. وقد استغرقت هذه الرحلة ثلاثة أشهر ونصف، تبتدئ من خروج المؤلف من طانطان يوم الجمعة 16 شوال 1357هـ/9 دجنبر 1938م، وتنتهي بعودته إلى أهله بطانطان يوم الثلاثاء 29،2 محرم 1358هـ/1939م.

ويمكن تلخيص المسار العام لهذه الرحلة في الآتي:

ـ انطلاق ركب حجاج الساقية الحمراء بحرا من ميناء طرفاية نحو مدين لاس بالماس بجزر الكناري في 22 شوال 1357هـ/15 دجنبر 1938م.

ـ توجه الركب نحو مدينة قادس على ظهر سفينة إسبانية تسمى «باركو سيبي» يعد وصول الشيخ مربيه ربه إلى أرض لاس بالماس من طرفاية جوا.

ـ توجه الركب برا إلى الجزيرة الخضراء، ثم ركوب البحر إلى سبتة على متن سفينة إسبانية تسمى «سيوداد سبتة» في 28 شوال 1357هـ/21 دجنبر 1938م.

ـ توجه الركب إلى تطوان برا والإقامة بها في ضيافة المخزن لمدة اثنين وعشرين يوما، وزيارة مآثرها وتجديد أواصر المحبة والأخوة مع أعيانها وعلمائها.

ـ توجه الركب برا إلى سبتة بعد وصول وفد حجاج سيدي إفني وأيت باعمران برئاسة الشيخ محمد الإمام، ووفد وادي الذهب برئاسة سيداتي بن الشيخ الولي في 17 من ذي القعدة 1357هـ.

ـ رسو الباخرة بميناء طرابلس لمدة ثلاثة أيام، وزيارة أضرحتها ومآثرها التاريخية والاجتماع بعض علمائها وأعيانها في 20 ذي القعدة 1357هـ.

ـ توقف الباخرة ببور سعيد ثم السويس في 27 ذي القعدة 1957هـ، ولقاء ولي عهد الخليفة السلطاني ومن كان معه من رجال الوحدة المغربية بمصر لطلب العلم.

ـ الإقامة بمكة لمدة سبعة عشر يوما، وأداء مناسك الحج بها وزيارة مساجدها وقبور الصحابة بها، والاجتماع ببعض علماء وقادة الدول الإسلامية بها.

ـ التوجه إلى المدينة المنورة عبر جدة بواسطة السيارات يوم الجمعة 20 من ذي الحجة 1357هـ، والإقامة بها مدة ثمانية أيام، وزيارة مساجدها ورياضها وقبور أبطال الإسلام بها.

ـ رجوع الركب إلى جدة لركوب الباخرة في 29 ذي الحجة 1357هـ.

ـ عودة الباخرة إلى سبتة بعد رسوها عند جبل الطور والسويس وبو سعيد وطرابلس ومليلية.

ـ توجه الركب إلى تطوان لحضور مجلس افتتحه الخليفة السلطاني لأمر الأوقاف واستقلال أحوالها في 16 محرم 1358هـ.

ـ رجوع الركب إلى سبتة ثم الجزيرة الخضراء، ثم إشبيلية، وزيارة المآثر الإسلامية بها في 19 محرم 1358هـ.

عودة ركب الحجاج إلى جزر الكناري يوم الثلاثاء 22 محرم 1358هـ.

ـ عودة الركب إلى طرفاية جوا يوم الأحد 27 محرم 1358هـ.

ـ عودة المؤلف إلى أهله بطانطان يوم 29 محرم 1358هـ بعد اجتماعه بالشيخ مربيه ربه وبعد إخوانه.

وتتخلل هذه اللحظات مجموعة من الفوائد التي سجلها المؤلف طيلة هذه الرحلة، كأخبار الذين شاركوا فيها وأسمائهم وقبائلهم ومراتبهم والأنشطة التي قاموا بها، واللقاءات التي أجروها مع عدد من العلماء ورجال الفكر والسياسة في شمال المغرب وليبيا ومصر والحجاز.

وتندرج ضمنها أيضا مجموعة من الإجازات والرسائل والمساجلات والفوائد الفقهية والجغرافية والتاريخية التي تطول أحيانا حتى تقطع التسلسل الكرونولوجي للأحداث، كبعض قصائد المؤلف، وقصائد الشيخ مربيه ربه، وقصائد الشيخ محمد الإمام، وإجازة المؤلف في القرآن، وإجازته لابن موسى، ورسائله إلى عبد الرحمن ابن زيدان وخاليه الشيخ مربيه ربه والشيخ محمد الإمام، وتقاريره حول الكعبة وقياساتها وأساطينها، ولباسها، ماء زمزم وخواصه وفوائده، وأبواب مسجد الله الحرام ومناراته، وغير ذلك من النصوص والفوائد.

كما تتخللها أيضا قصائد ومقتطفات من عض الكتب التي عبثت بها يد الضياع، مثل: رحلة الشيخ ماء العينين، ورائية المؤلف في تخميس ورائية الشيخ أحمد الهيبة، وكتبه الذي يضم مساجلاته مع أدباء وشعراء الأقاليم المغربية الشمالية، وغيرها من الآثار النادرة التي تميزها عن غيرها من الرحلات الحجازية التي كتبت في بداية القرن الماضي ، وتجعلها رحلة علم وأدب ووحدة، فضلا عن مقاصدها الدينية(65).

صدرت الرحلة عن دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى عام 2004م، حققها وقدم لها الدكتور محمد الظريف، معتمدا على نسختان؛ نسخة أصلية مكتوبة بخط مؤلفها وتتألف من قسمين: الأول يتكون من 93 ورقة من الحجم المتوسط، والثاني يتكون من 115 ورقة من نفس الحجم، مكتوبة بخط مغربي صحراوي واضح، فقد انتهى المؤلف من نسخها في متم صفر 1358هـ ؛ أي بعد شهر من عودته من الديار المقدسة، وتوجد بالمكتبة الوطنية بالرباط تحت رقم 80، والنسخة الثانية بخط مؤلفها أيضا، وتتكون في مجموعها من 67 ورقة من الحجم الكبير، كتبت في رمضان سنة 1358هـ أي بعد ستة أشهر من كتابة النسخة الأولى، وتوجد بخزانة الأستاذ شيبة ماء العينين(66).

 فهذه الرحلات تعبر في مجموعها عن ازدهار هذا النوع من الأدب في الأقاليم الجنوبية المغربية وجنوب الصحراء واستقطابه لاهتمام الأدباء، وتسجيل مشاهداتهم إلى ما طبع حياتهم من اضطراب وتنقل دائم، ويمتد بعيدا في تاريخ الثقافة المغربية، ويرتبط ارتباطا وثيقا بما تركه أعلامها كـ: الشريف الإدريسي، والعبدري، وابن رشيد السبتي، وابن بطوطة، وأبو محلي، وأبو سالم العياشي، واليوسي، والحضيكي، وابن كيران، وغيرهم من الأدباء المغاربة(67).

وعلى الرغم مما تحويه هذه الرحلات من معلومات مختلفة عن البلدان الإسلامية التي يمر منها الحجاج الصحراويون في طريقهم إلى الديار المقدسة، فإن ما تقدمه عنها من أخبار لا يعدو مجرد إشارات عابرة ولمحات مقتضبة تعكس ذواتى أصحابها أمثر مما تعبر عن نظرة موضوعية لواقعها، ومع ذلك فإن لها قيمة كبرى في تاريخ الحياة الأدبية الصحراوية. فهي تجمع بين مختلف الأنواع الأدبية من شعر وأخبار جغرافية وتاريخية واجتماعية تبرز مدى تنوع الثقافة الصحراوية وتعدد مجالاتها. وهي إذ تحفل بأسماء عدد كبير من ملوك المغرب وعلمائه وشيوخه، تؤكد أصالة الروابط التاريخية بين الأقاليم الصحراوية وبين باقي الأقاليم المغربية. كما أنها إذ تزخر بأسماء بعض مدن الشرق وأخبار بعض علمائه وأدبائه، تؤكد انفتاح الحياة الأدبية الصحراوية على الثقافة المشرقية واتصالها الوثيق بها(68).

 

إعداد: حسناء بوتوادي

 


 (1)كتب الرحلات في المغرب الأقصى مصدر من مصادر تاريخ الحجاز في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الهجريين دراسة تحليلية نقدية مقارنة، لعواطف بنت محمد يوسف نواب، دارة الملك عبد العزيز، الرياض 1429هـ، (ص18).

 (2)نفسه (ص18ـ19).

(3)نفسه (ص19).

 (4)كتب الرحلات في المغرب الأقصى مصدر من مصادر تاريخ الحجاز (ص19)، وأدب الرحلة في التراث العربي، لفؤاد قنديل، مكتبة الدار العربية للكتاب، القاهرة، الطبعة الثانية جمادى الأولى 1423هـ/يوليوز 2002م، (ص28).

 (5)كتب الرحلات في المغرب الأقصى مصدر من مصادر تاريخ الحجاز (ص20).

 (6)نفسه (ص20).

 (7)نفسه (ص20ـ21).

 (8)أدب الرحلة في التراث العربي (ص19).

 (9)نفسه (ص19).

 (10)نفسه (ص21).

 (11)مروج الذهب ومعادن الجوهر، لأبي الحسن المسعودي، تحقيق أسعد داغر، دار الهجرة 1409هـ، (ص20).

 (12)أدب الرحلة في التراث العربي (ص21).

 (13)نفسه (ص21ـ22).

 (14)أدب الرحلة في التراث العربي (ص22).

 (15)أدب الرحلة بالمغرب في العصر المريني، الحسن الشاهدي، منشورات عكاظ، الرباط 1990م، (2/657).

 (16)أدب الرحلة في التراث العربي (ص68،9).

 (17)الوسيط في تراجم أدباء شنقيط، الشركة الدولية للطباعة، مصر، الطبعة الخامسة 1422هـ/2002م،  (ص71،69).

 (18)نفسه (ص70ـ71).

 (19)رحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة، لعبد الهادي التازي، مراجعة عباس صالح طاشكندي، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، 1426هـ/2005م، (2/489).

 (20)الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (ص71ـ72).

 (21)رحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (2/490).

 (22)الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام، للمراكشي، راجعه عبد الوهاب ابن منصور، المطبعة الملكية، الرباط، الطبعة الثانية 1413هـ/1993م، (3/260ـ262).

 (23)انظر: رحلة من القرن 13هـ/19م لجامعها ومنشئها الطالب أحمد بن طوير الجنة، لعبد القادر زمامة، مجلة البحث العلمي العدد 28، السنة 1977م، (ص291ـ304).

 (24)H. T. Norris, The Pilgrimage of Aahmed, Son of The Little Bird of Prardise, Harries and Philips Ltd Warminster, England, 1977.

 (25)انظر: حول رحلة ابن طوير الجنة، لأبي القاسم سعد الله القماري، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، مجلد 54، الجزء 3، السنة 1399هـ/1979م.

 (26)انظر: رحلة أحمد بن طوير الجنة، لمحمد المنصور كلخة، مجلة المناهل، العدد 17، السنة السابعة، جمادى الأولى 1400هـ/مارس 1980م، (ص392ـ398).

 (27)انظر: كتاب حجة أحمد بن طوير الجنة، لصفاء خلوصي، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد 53، الجزء 3، رجب الفرد سنة 1398هـ/تموز(يوليوز) سنة 1978م، (ص665ـ670).

 (28)تاريخ ابن طوير الجنة، للطالب أحمد بن طوير الجنة الحاجي الواداني، تحقيق أحمد بن أحمد سالم، منشورات معهد الدراسات الإفريقية بالرباط، نصوص ووثائق (4)، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط 1995م، (ص5ـ6)، ورحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (ص490ـ491).

 (29)رحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (ص491).

 (30)تاريخ ابن طوير الجنة (ص6).

 (31)الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (ص48).

 (32)نفسه (ص51).

 (33)نفسه (ص49).

 (34)نفسه (ص55).

 (35)الرحلة المعينية (1938)، لماء العينين بن العتيق، حققها وقدم لها الدكتور محمد الظريف، دار السويدي للنشر والتوزيع، أبو ظبي، والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 2004م، (ص146)، والحياة الأدبية في زاوية الشيخ ماء العينين، لمحمد الظريف، منشورات مؤسسة الشيخ مربيه ربه لإحياء التراث والتبادل الثقافي، مطبعة بني إزناسن، سلا، الطبعة الأولى 2003م، (ص403).

 (36)الحياة الأدبية في زاوية الشيخ ماء العينين (ص403)، ورحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (ص550).

 (37)الرحلة المعينية (ص146)، ورحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (ص550).

 (38)انظر: الرحلة المعينية (ص146ـ147)، (ص150،151)، ورحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (ص550).

 (39)انظر: الرحلة المعينية (ص146ـ147)، (ص151)، ورحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (ص550).

 (40)انظر: الرحلة المعينية (ص146ـ147)، (ص151ـ152)، ورحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (ص550).

 (41)انظر: الرحلة المعينية (ص152ـ153).

 (42)انظر: الرحلة المعينية (ص147ـ150)، ورحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (ص550ـ553).

 (43)الرحلة الحجازية، لمحمد يحيى بن محمد المختار الولاتي، تخريج وتعليق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1990م، (ص150).

 (44)نفسه (ص192ـ193).

 (45)نفسه (ص196ـ198).

 (46)نفسه (ص284ـ300).

 (47)انظر: الفقه والتاريخ في الرحلة الحجازية للعلامة محمد يحيى الولاتي، الحسن الباز، ضمن ندوة عالم الصحراء محمد يحيى الولاتي (1259ـ1330هـ/1843ـ1912م) بمناسبة مرور قرن على وفاته، يومي 28ـ29 ذي الحجة 1430هـ/16ـ17 دجنبر 2009م، منشورات مركز الدراسات والأبحاث وإحياء التراث، بالرابطة المحمدية للعلماء، سلسلة ندوات ومحاضرات (2)، الطبعة الأولى 1432هـ/2011م، (ص299ـ301)،(ص326).

 (48)الرحلة الحجازية (ص104ـ107).

 (49)نفسه (ص86) وما بعدها.

 (50)نفسه (ص199ـ203).

 (51)نفسه (ص241ـ269).

 (52)نفسه (ص284ـ300).

 (53)نفسه (ص325ـ335).

 (54)نفسه (ص352ـ387).

 (55)انظر: الفقه والتاريخ في الرحلة الحجازية للعلامة محمد يحيى الولاتي (ص299ـ301)، ورحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (ص562).

 (56)الرحلة المعينية (ص52).

 (57)نفسه (ص52، 56ـ57).

 (58)نفسه (ص57ـ58).

 (59)نفسه (ص69).

 (60)نفسه (ص72).

 (61)نفسه (ص72).

 (62)نفسه (ص76).

 (63)الحياة الأدبية في زاوية الشيخ ماء العينين (ص404)، الهامش رقم 8.

 (64)رحلة الرحلات مكة في مائة رحلة ورحلة (ص680).

 (65)انظر: الرحلة المعينية (ص29ـ31)، ومكونات الكتابة الرحلية عند العلامة ماء العينين بن العتيق، لمحمد ناجي بن عمر، ضمن كتاب الشيخ ماء العينين فكر وجهاد، تقديم اليزيد الراضي، تنسيق النعمة علي ماء العينين، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1421هـ/2001م، (ص332ـ333).

 (66)الرحلة المعينية (ص17).

 (67)الحياة الأدبية في زاوية الشيخ ماء العينين (ص405).

 (68)نفسه (ص406ـ407).