البحث في الموقع

الإبل في التاريخ العام لمجتمع غرب الصحراء

ذ. عمر ناجيه 

شكلت الإبل واحدة من أهم الدعامات الأساسية المحركة للتاريخ العام لغرب الصحراء بفعل انخراطها الفعلي والمباشر في كافة أشكال الحراك : الاجتماعي  والاقتصادي والثقافي والسياسي والعسكري . ويمكن أن نعمم هذه الحالة على امتداد الصحراء الكبرى والجزيرة العربية مرورا بصحارى إيران وصولا إلى الصين . ولا يخفى على ذي بال أن الثقافة العربية خصصت حيزا ذي شأن للإبل سواء في القران الكريم الذي تناولها وفق أغراض معلومة , فتارة يوردها للاعتبار في خلقتها فيقول تعالى  "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت " (1), وترد في حالات أخرى أثناء الحديث عن القضايا الكبرى في تاريخ الأمة كقوله تعالى " لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف" (2) فهي تأتي مضمرة في هذه الآية لالشيء إلا لأنها هي الحاملة للسلع والمنافع والأشخاص . وتأتي الآية الكريمة التالية لتكرس الدور المركزي للإبل في حياة البداوة منذ تواريخ سالفة حيث يقول تعالى في بداية سورة النحل " والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون. ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تستريحون . وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم " (3) . وأكد تعالى في آية أخرى في نفس السورة على ا ن حياة البداوة تقوم على أكتاف الإبل في قوله :" والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقـامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعـارها أثاثا ومتـاعا إلـى حين " (4) . كما عجت السيرة النبوية بمواقف كثيرة كانت الإبل حاضرة فيها بقوة لا يسمح المقام بالوقوف عندها والتفصيل فيها , ناهيك عن الزخم الذي راكمه التراث الشعري في الجاهلية وفي صدر الدولة الإسلامية .

ومنذ دخولها إلى الصحراء الكبرى  في فترات متقدمة من تاريخها, وما طرحته من إشكالات حول تأصيل هذا الدخول من طرف الباحثين,  فإنها سترسم الملامح العامة للتاريخ الطويل للمجموعات الأصلية   والواردة في خضم عمليات الحمل التاريخي الكبرى (5).

إن تناولنا لهذا الموضوع ذي الطبيعة الاستثنائية فرضته جملة من الاعتبارات وعلى رأسها إنصاف هذا الكائن التاريخي , إضافة إلى ذلك , وحسب اعتقادنا , فإن العديد من المحطات التاريخية في المنطقة لم تكن لتبرز بالأوجه التي وصلتنا بها لو لم تكن الإبل حاضرة . ناهيك عن أن تناول تاريخ مجتمعات معينة في مجال جغرافي معين يستدعي منا الانطلاق من قضايا تصنف في عداد الحلقات الهامشية في التأريخ  , وجعلها مركزا للأحداث . من  هنا فرضت علينا طبيعة الموضوع أن نطرح عدة إشكالات عن مساهمة الإبل في الحراك السياسي و العسكري في غرب الصحراء منذ  العصر الوسيط ؟ , ثم هل كان للإبل دور يذكر في الحراك الاقتصادي وخاصة منه التجاري الذي صنفت من خلالـه المنطقـة على أنها كانـت متربـول التجـارة الدوليـة ؟ وهــل كـانـت مسـالك و ملاحات وحواضر الصحراء وأمكاكيرها شاهدة على ذلك؟ ثم هل كان للإبل دور معين في خلق سيولة ثقافية إلى جانب السيولة البشرية والتجارية ؟ ثم ما هو موقعها في عمليات النقل الثقافي أو التثاقف acculturation  بين المجموعات القبلية في غرب الصحراء (6) ؟

 

1. الإبل والحراك القبلي في غرب  الصحراء :

         عرفت المجتمعات الإنسانية منذ فترات متقدمة من تاريخها عمليات نزوح كبرى من مواطنها الأصلية إلى مواطن مستقبلة . وقد تحكمت في هذه السيولة البشرية عدة اعتبارات منها ما هو مرتبط بالظروف الطبيعية المتمثلة في التقلبات المناخية , ومنها ما هو مرتبط بالتدافع بين القبائل والشعوب لفرض القوة ثم بعدها السياسة   , ومنها ما هو مرتبط بمخلفات عمليات الانتقال الحضاري الكونية . وقد تمت عمليات النـزوح هذه فوق ظهور العربات التي تجرها تارة الكلاب في المناطق الشمالية المتجمدة , أو تلك التي تجرها الخيول في مناطق مختلفة , و يبقى  النـزوح في صحاري آسيا وأفريقيا , وهي مجالات الظعن والبداوة , قد تم فوق ظهور النعم .

ووفقا للضرورة المنهجية ارتأينا أن نتناول الصيرورة التاريخية للإبل في شمال إفريقيا عموما وغرب الصحراء خصوصـا, وذلك نظـرا لمـا سيعرفـه هـذا المجـال من تطـورات اجتمـاعيـة واقتصـاديـة وسيـاسيـة وثقـافيــة ودينية ذات شأن .

تضاربت الشواهد التاريخية حول دخول  الإبل إلى  شمال إفريقيا . فقد أشار الباحث  R.Bullietإلى أن الجمل قد تسرب إلى القرن الأفريقي في الفترة الممتدة بين 2500و 1500قبل الميلاد  عبر خليج عدن (7) . وفي نفس الاتجاه جاء الباحثان E.F Gautier  و St Gsell   بفرضية مفادها أن الفضل يعود للرومان في إدخال الإبل وتعميمها منذ القرن الثالث بعد ميلاد السيد المسيح (8). ويذهب Gautierرفقة بعض الباحثين في نفس الاتجاه حيث يشيرون إلى أن الجمل كان حاضرا في الرسوم الصخرية التي أنتجتها القبائل الأمازيغية  في نفس الفترة (9) . وحتى حدود البدايات الأولى للتواجد الروماني في المنطقة , فإن الروايات تشير إلى أنه في سنة 46ق م قدم الملك النوميدي جوبا الأول هدية قوامها اثنان وعشرون جملا للإمبراطور الروماني قيصر الأكبر (10) . وفي سنة 39ق م بدأ الجمل يظهر في العملة المحلية مما يذهب معه الاعتقاد بأن هذا الأخير بدأ يحتل مكانة متميزة على المستوى الاجتماعي والاقتصادي والرمزي في المنطقة (11) .

ومنذ البدايات الأولى للعصر الوسيط, أصبحت الإبل مكونا أساسيا في الحياة العامة للمجموعات القبلية في غرب الصحراء  بل وكان له الدور الريادي في إحداث انقلابات كبرى على مستوى أنماط العيش(12) في غرب الصحراء حيث أصبحت الإبل معيارا للتأريخ لأحداث المنطقة أي قبل دخول الإبل ثم بعد  دخولها . وقد شهدت بذلك كل المصادر العربية في العصر الوسيط . فهذا أبن حوقل ,أثناء حديثه عن المغرب, يقول : " ... وعندهم من الجمال الكثيرة في براريهم وسكان صحاريهم التي لا تدانيها في الكثرة إبل المغرب " (13) . وأثناء حديثه عن سكان المغرب أورد قائلا :" والبربر السكان بالمغرب فقبائل لا يلحق عددهم ولا يوقف على آخرهم , لكثرة بطونهم وتشعب أفخاذهم وقبائلهم وتوغلهم في البراري وتبددهم في الصحاري (...) والمال فيهم من الماشية كثير غزير.  ومن المتعزيين الموغلين في البراري صنهاجة أودغسث " (14) .

وإذا كانت البدايات الأولى للإبل في الصحراء قد شكلت طفرة تاريخية متميزة , فإنها أسست لمفهوم متميز في المنطقة سيصبح فيما بعد مادة دسمة للمصادر التاريخية الوسيطية , إنه مفهوم البداوة من خلال الترحال وعدم الاستقرار(15) الذي مكن المجموعات القبلية من اكتساح مجالات طبيعية واسعة واستغلالها وضبطها عسكريا وسياسيا واقتصاديا فيما بعد . وفي هذا الصدد وصف لنا إبن حوقل مشهدا دقيقا عن قبائل صنهاجة قائلا :" وفيما بين أودغست وسجلماسة غير قبيلة من قبائل البربر متعز بون لم يروا قط حاضرة ولا عرفوا غير البادية العازبة (...)  وفيهم البسالة والجرأة والفروسية على الإبل والخفة في الجري والشدة والمعرفة بأوضاع البر وأشكاله والهداية فيه , والدلالة على مياهه بالصفة والمذاكرة , ولهم الحس الذي لا يدانيه في الدلالة إلا من قاربهم وسعى سعيهم " (16) . وقد تفرعت عن البداوة جملة من الطقوس التي أصبحت تميز البدوي عن غيره من قبيل بنائه الجسماني القوي وتركيبته الذهنية المتميزة  التي مكنته من التأقلم مع الظروف الطبيعية القاسية , وفي هذا الباب يقول إبن حوقل " ورأيت من بعض هذا القبيل وقد أثيرت جمال أراد هذا الرجل بعضها وقد قعد على طريقها وهي نافرة وقد ساواها في العدو , فمنعه الحركة إلى أن ضرب به الأرض ونحره فكأنه نحر عنـزا أو قصد جديا  " (17) . وأضاف ابن خلدون قائلا " فألوانهم أصفى وأبدانهم أنقى وأشكالهم أتم وأحسن وأخلاقهم أبعد من الانحراف وأذهانهم أثقب في المعارف والإدراكات هذا أمر تشهد له التجربة في كل جيل منهم " (18) . وقد لعبت البداوة , حسب ابن خلدون , دورا هاما في حفظ الأنساب بحيث عنون الفصل التاسـع مـن المقدمـة بمـا نصـه أن الصريـح من النسب إنمـا يوجـد للمتوحشين في القفر من العرب ومن في معناهم (19) , ويقول في هذا الباب " ... ولما كان معاشهم من القيام على الإبل ونتاجها ورعايتها والإبل تدعوهم إلى التوحش في القفر لرعيها من شجره ونتاجها في رماله كما تقدم والقفر مكان الشظف والشغب فصار لهم إلفا وعادة وربيت فيه أجيالهم حتى تمكنت خلقا وجبلة فلا ينزع إليهم أحد من الأمم أن يساهمهم في حالهم ولا يأنس بهم أحد من الأجيال (...) فيؤمن عليهم لأجل ذلك من اختلاط انسابهم وفسادها ولا تزال بينهم محفوظة صريحة(20) . وقد اكتسبت قبائل البداة في غرب الصحراء , بفعل  البداوة والظعن , عادات غذائية حددتها طبيعة الظروف المجالية والمناخية , فهذا ابن حوقل يصف نظامهم الغذائي بأنه يقوم على مكونات قليلة المبنى لكنها ذات  فائدة كبرى حيث يقول " ... لا يعرفون البر ولا الشعير ولا الدقيق , وفيهم من لم يسمع بهما إلا بالمثل , وأقواتهم الألبان وفي بعض الأوقات اللحم , وفيهم من الجلد والقوة ما ليس لغيرهم " (21) . وقد ربط ابن خلدون بين استهلاكهم للحوم الإبل وألبانها وبين حسن خلقهم وأخلاقهم حيث يقول " ... ومثل الملثمين من صنهاجة الساكنين بصحراء المغرب وأطراف الرمـال فيمـا بين البربر والسـودان فإن هـؤلاء يفقدون الحبـوب والأدم جملـة إنما أغذيتهم وأقواتهم الألبان واللحوم ( ...) وتجدهم يقتصرون في غالب أحوالهم على الألبان وتعوضهم عن الحنطة أحسن معاض وتجد مع ذلك هؤلاء الفاقدين للحبوب والأدم من أهل القفار أحسن حالا في جسومهم وأخلاقهم من أهل التلول المنغمسين في العيش " (22) . ويذهب ابن خلدون أعمق من ذلك حيث يشير إلى أن بعض خصائص الإبل تنتقل إلى البداة عبر المراس والاحتكاك اليومي من جهة وعبر أكل لحومها من جهة , فيقول " ... وكذا المتغذون بألبان الإبل ولحومها أيضا مع ما يؤثر في أخلاقهم من الصبر والاحتمال والقدرة على حمل الأثقال الموجود ذلك للإبل وتنشأ أمعاؤهم أيضا على نسبة أمعاء الإبل في الصحة والغلظ فلا يطرقها الوهن ولا ينالها من مدار الأغذية ما ينال غيرهم "(23) . وقد لاحظ محمد حسن الوزان ( ليون الإفريقي ) أن نظامهم الغذائي مكنهم من مقاومة الأمراض المختلفة فعمروا لسنين طويلة (24). إن البداوة مكنت الرحل , من خلال الارتباط الوثيق بالإبل , من ابتكار هذه  الأنماط الغذائية المغايرة لتلك التي دأب عليها المستقرون , وهي أنماط أسسها الرحل لاختراق  جبرية الجغرافيا.                    

   وقد استمرت  خصائص البدو هذه في الفترات التاريخية اللاحقة بعد دخول عرب معقل الى شمال أفريقيا وبعدها إلى غرب الصحراء حيث استمر الباحثون والدارسون والمستكشفون في الحديث عنها في تقاريرهم ودراساتهم (25)  .

وباكتمال فعلها المؤثر في  التفوق الجسماني والذهني للبدو , عملت الإبل على ترويض هؤلاء على اكتساح المجـالات الواسـعة وضبطهـا ثم إدارتـها , نـاهيك عـن امتلاكهم مهـارة فـن التنقل والبحث عن المراعي المتناثرة (26) وذلك  من خلال الاهتداء بالمعطيات الفلكية كالشمس والنجوم والقمر , والمعطيات التضاريسية ونوع التربة والغطاء النباتي (27)  . فكانوا يجوبون الصحاري منذ الفترات القديمة إلتي عرفت هذا النوع غير المألوف من البشر الذين كانوا يمثلون السرعة والمباغثة في أجل صورها في عصر كانت تسير فيه الأحداث بوثيرة بطيئة (28) . إن قبائل لمطة ولمتونة في غرب الصحراء كانت تتوفر على عدد كبير من قطعان الإبل السريعة التحرك والتي تمكن الرحل وعائلاتهم من التنقل من مكان إلى مكان بسرعة خاطفة ودون ترك أي أثر(29) , معتمدين في ذلك على نظامهم الغذائي الذي تم الوقوف عنده سابقا , كما أن   مسوفة ,إحدى فصائل قبيلة صنهاجة  كانت تجوب المجالات الواسعة الممتدة بين سجلماسة وغانة وهي عبارة عن صحراء غير مسكونة يجوبونها ولا يستقرون في أي مكان منها(. (30 وخلاصة القول أنه بفضل الإبل استطاع البدو التكيف مع أوسع صحراء في الأرض , وتمرسوا على استعمال غطاء نباتي طبيعي متناثر لتغذية إبلهم , ويتنقلون في الصحراء بصفة منتظمة ودائمة , وفي معرفة تامة ودقيقة بهذا المجال المترامي الأطراف.

 

2.  الإبل والحراك السياسي والعسكري في غرب الصحراء:

شكلت الإبل محور الارتحال بأبعاده المختلفة : الهجراتية والرعوية والتجارية و السياسية – العسكرية . ويتمظهر الارتحال السياسي – العسكري في تنقل حشود قبلية في عمليات غزو محلية أولا , وعندما تكبر أو تنتصر تأخذ أبعادا أخرى لإخضاع شعوب مجاورة أو بعيدة , فتتمخض عن عملية النقل التاريخية هذه  عمليات نقل مصاحبة(31) .

 وفي سياق إجرائي , شهدت منطقة غرب الصحراء عدة تحولات سياسية وعسكرية منذ البدايات الأولى لدخول المسلمين إلى شمال أفريقيا عموما وغرب أفريقيا خصوصا , وقد كان لهذه التحولات دور في تغيير وجه المنطقة . وقد كانت الإبل حاضرة بحدة  في هذه التحولات , ذلك أن انتشار الإسلام في المنطقة كان على ظهور الإبل التي سهلت مأمورية الفاتحين في اختراق المجال المتماثل مع الموطن الأصلي للفاتحين (الجزيرة العربية ) . فسهلت بذلك الإبل انتقال المنطقة من سيطرة الكيانات السياسية القديمة إلى الكيان السياسي الإسلامي الذي أضفى على المنطقة طابعا خاصا بارتباط مع المحيط الجيوسياسي المتوسطي عموما والأندلسي خصوصا, ثم على مستوى السودان الغربي  وبعد انخراط بداة غرب الصحراء في الإسلام , ونخص بالذكر قبائل صنهاجة التي تشبع زعماؤها بتعاليم الدين الإسلامي وفق مبادئ المذهب المالكي الذي سينتشر في غرب الصحراء . وقد تمكنت صنهاجة , بفعل تفوقها العسكري المبني على الخفة والسرعة المكتسبة من الارتباط بالإبل , من تدويخ المنطقة وضبطها من خلال السيطرة على قطعان الإبل . فمنذ أواسط القرن الحادي عشر الميلادي كانت توجد قطعان كبيرة من الإبل في درعة الشرقية تحت إمرة أمير سجلماسة الزناتي فلما علم بنية المرابطين في الإغارة عليه , حاول الهروب بالقطيع من قبضتهم لكنه لم يفلح فتم القبض عليه فقتل وتم الاستحواذ على الإبل . وفي نفس الاتجاه , وفي إطار العلاقة العدائية بين صنهاجة وزناتة , استقر أمير المرابطين أبو بكر بن عمر في سجلماسة ,فكان يجبي الضرائب من الساكنة الزناتية المناوئة له فسلبها قطعانها من الإبل (32. وفي إطار توسعات القبائل الصنهاجية تحت راية الكيان السياسي المرابطي في القرن الثاني عشر , كانت فصائل لمطة ولمتونة تجوب درعة السفلى وواحات وادي نون  نازحة من غرب الصحراء . وقد تمكنت هذه الفصائل من فرض هيمنتها العسكرية بفضل توفرها على أعداد كبيرة من الإبل . ومع توالي الرحلات , استطاع الرحل أن يحفروا سلسلة من الآبار من حدود سلسلة باني إلى حدود أودغست( 33). إن سرعة التنقل والتحرك التي فرضها الارتباط بالإبل هي التي مكنت المرابطين من السيطرة السياسية على غرب الصحراء كلها , بل ومكنتها من السيطرة على بلاد الغرب الإسلامي حيث تم تمرير المشاريع السياسية والمذهبية للدولة الصنهاجية .

 ومع بداية القرن الثالث عشر شهدت منطقة شمال أفريقيا عموما وغرب الصحراء خصوصا موجة جديدة من الهجرات القبلية القادمة من الشرق ونذكر الهلاليين والمعاقلة . وقد جاءت هذه المجموعات على إثر جملة من الترتيبات السياسية والعسكرية بين الشيعة الفواطم في مصر والكيانات المالكية في بلاد المغرب . ويرى جل الدارسين الغربيين أن هذه الهجرات كانت موجهة توجيها سياسيا وعسكريا بقصد الترويع العسكري الذي تحدثه غارات البدو فوق إبلهم أولا ,  و زعزعة استقرار الكيانات السياسية المالكية آخرا . وبما أن  منطقة غرب الصحراء قد شهدت  قدوم  قبائل معقل , فإنها ستشهد تغييرات كبيرة من حيث بنيتها الديمغرافية على إثر الفراغ الذي خلفه نزوح فصائل صنهاجة إلى شمال المغرب والأندلس , ومن حيث تنظيماتها الاجتماعية والسياسية والعسكرية بل وحتى الثقافية .    

بدأت قبائل معقل توسعاتها فوق ظهور إبلها من حدود سجلماسة شرقا إلى المحيط الأطلنطي غربا, وتجاوزوا الواحات ووصلوا إلى سوس الأقصى في نهاية القرن الثالث عشر (34) في موجة استيطانية تستهدف الاستقرار في غرب الصحراء لتماثل البيئة الجديدة مع تلك القديمة . وكان رحل معقل يمتلكون من الإبل القطعان الكثيرة . وتفيد المصادر الإخبارية على لسان ابن خلدون وصاحب روض القرطاس أن بني معقل تعرضوا لحملات تأديبية من طرف السلاطين المرينيين  خاصة السلطان أبو عنان المر يني الذي نظم حملة عسكرية قوية سنة 1287. وكان من نتائج هذه الحملة أن فرضت على معقل إتاوة قدرت بثمانية عشر ألف من الإبل (35) . ومن خلال هذا العدد , يتضح أن الإبل كانت ورقة سياسية وعسكرية ذات شأن في حسابات الدولة المرينية في علاقتها بقبائل معقل . وبفعل العلاقات المتردية بين الدولة المرينية وقبائل معقل , استمرت هذه الأخيرة في الإنزياح نحو غرب الصحراء . فساهموا, بمعية بقايا صنهاجة والزنوج , في إعادة تشكيل الحياة العامة في المنطقة . من خلال التشكل القبلي الجديد " بنو حسان " بلسان جديد "الحسانية " حليب اللغة العربية, ناهيك عن أن هذا التشكل القبلي اتخذ طابعا سوسيو- سياسيا كانت الغلبة فيه لأصحاب " المدافع " أو المحاربون الذين يحتلون قمة الهرم السياسي والاجتماعي ثم يليهم أصحاب الكتاب والبركة " الزوايا " ثم في أسفل الهرم توجد الفئات الدنيا " آزناكة "  (36). فتجدرت المقولة الشائعة في تراب البيضان " الناس الا تحت ركاب ول تحت كتاب " . وقد تحدث محمد حسن الوزان عن تحركات معقل في المنطقة وعن الوزن الذي بدؤوا يكتسبونه بفضل الإبل كثروة مادية ورمزية ,فيقول : " ... وتكون الإبل ثروة الأعراب وأرزاقهم , وعندما يراد ذكر ثروة أمير أو شريف من الأعراب يقال " فلان له مقدار كذا من آلاف الإبل " , ولا يقال : "له مقدار كذا من الدنانير أو الممتلكات " (37) . وبعدها استرسل الوزان في تبيان دور الإبل في انفلات عرب معقل من الضبط السياسي والعسكري في غالب الأحيان فأشار إلى أن " جميع الأعراب الذين يملكون الإبل أمراء يعيشون أحرارا , إذ بها يستطيعون الإقامة في الصحاري التي لا يقدر ملك ولا أمير أن يذهب إليها لجفافها " (38) . وقد انفرد محمد حسن الوزان, في إطار حديثه عن أنواع الإبل أي تلك الخاصة بحمل البضائع وتلك الخاصة بحمل الأشخاص , بالقول أن هذه الأخيرة المسماة في القاموسين العربي والحساني " ابل الركوب " وهي " نحيلة الجسم رقيقة الأعضاء , لا تصلح لغير الركوب , لكنها سريعة جدا وأغلبها قادر على قطع مائة ميل أو أكثر في اليوم , مع الاحتفاظ بالعدو مدة ثمانية أيام أو عشرة في الفلاة بأقل زاد " (39) . لا يهمنا من هذا الوصف الذي أورده الوزان  الخصائص الفزيولوجية لهذا النوع من الإبل , بقدر ما تهمنا طبيعة الأدوار التي تؤديها على مستوى التحركات العسكرية بما فيها التحرك السريع والهجمات المباغتة  , بل يتجاوز الأمر  الدور العسكري إلى أدوار سياسية ودبلوماسية وهو ما تحدث عنه الوزان بقوله " وإذا أراد ملك تمبكتو إبلاغ أمر هام إلى تجار نوميديا , أرسله بواسطة ساع راكب أحد هذه الجمال التي تقطع مسافة تسعمائة ميل بين تمبكتو ودرعة أو سجلماسة في ظرف سبعة أيام أو ثمانية " (40).    وحدد الوزان في حديثه أن مثل هذه المهام لا يؤديها سكان الحاضرة أو الواحات بل البدو الرحل الذين لهم دراية تامة بالصحراء وأسرارها , فيقول : " إلا أنه من الضروري أن يكون للمكلفين بمثل هذه المهام خبرة كبيرة بالصحراء , ويطلبون للسفر ذهابا وإيابا أجرة قدرها خمسمائة مثقال " (41) . و بفعل سياستهم العسكرية وحساباتهم السياسية  ضد رحل معقل , قام المرينيون بطريقة غير مباشرة بالمساهمة في تعمير غرب الصحراء .

وفي عهد الدولة السعدية , كانت علاقة المغرب بالسودان متدبدبة بفعل الأوضاع العامة التي كان يعيشها المغرب    في علاقته مع القوى السياسية المهيمنة على البحر المتوسط وهي الإمبراطورية العثمانية والدولة الإسبانية اللتان عملتا على فرض نوع من الحصار على المغرب وسلبه لمجاله الحيوي التاريخي الذي يمتد على حسابه ممثلا في المغرب الأوسط وإفريقية والأندلس , فكان لزاما على الدولة المغربية التي رممت بيتها السياسي والعسكري بعد معركة واد المخازن في 4غشت 1578أن توحد البلاد في المرحلة الأولى ثم تجد متنفسا  سياسيا وعسكريا واقتصاديا , حيث كانت الدولة في حاجة ماسة إلى المزيد من ذهب السودان الغربي وعبيده . ولبلوغ مراميه, جهز أحمد المنصور عدة حملات عسكرية توجهت إلى المنطقة كانت أهمها الحملة التي قادها الباشا جودر ذو الأصول الإسبانية(42) .  ما يهمنا من هذه الحملة أنها وظفت ما يزيد عن عشرة ألاف من الإبل في حمل الأمتعة الخاصة بالجيش الذي قدر عدده بثمانية عشر ألف جندي  (43). وقد تم توظيف الطرق التقليدية المارة عبر ملاحات تغازى وتاودني . وقد  كانت لهذه الحملة عدة نتائج أهمها تأزم العلاقات السياسية بين المغرب وممالك السودان الغربي (44).   

وعودة إلى الأوضاع العامة في الجنوب الغربي المغربي , وبالضبط في منطقة وادي نون التي شهدت إحدى أكبر عمليات التثاقف بأنواعه السلمية والقسرية , فقد جاء في ديوان قبائل سوس في عهد أحمد المنصور أول ذكر لأحد أكبر التجمعات القبلية وهيتكــــنة , وقد تم تقسيم هذا التجمع القبلي إلى حلفين سياسيين عسكريين  رئيسيين هما حلف أيت بلا وحلف أيت الجمل . وقد سمي  الحلف الأخير بهذا الاسم لأنه كان يضم ,حسب بعض الدارسين  قبائل رحل , وتشير الرواية الشفوية إلى أن أحمد المنصور السعدي أثناء زيارته للمنطقة , قامت  القبائل المنضوية تحت هذا الحلف بإعطائه هدية ممثلة في بعض الإبل لهذا سموا بهذا الاسم (45) .

وبداية من القرن الثامن عشر ومرورا بالقرن التاسع عشر وظفت الإبل في مجموعة من العمليات السوسيو- سياسية  والعسكرية لدى قبائل غرب الصحراء بدون استثناء . فقد كانت الإبل تحمل نيران القبائل  فوق أعناقها أو خواصرها , واعتبرت بذلك آلية من آليات التفاعل القبلي المبني على التحالف والتنافر , والانصهار والإنشطار ( أنظر لائحة نيران القبائل ) .

وقد كان أولاد دليم أسياد المجال في تيرس , وكانوا على علم بكل تحركات القوافل المارة من هذا المجال وذلك بفضل إبلهم السريعة التحرك والتي يتعقبون بها أثر المسافرين بمهارة منقطعة النظير (46) . وبفعل قوتها العسكرية جابت  قبائل كنتة  الساقية الحمراء وكلتة زمور وبير أم كرين وملاحات اجيل واستقرت أخيرا في الحوض وأزواد (47) . إنها إحدى زوايا الشمس أي الزوايا المحاربة التي جاء تفوقها بفعل السبحة والبركة و" مال الشمس " الذي يطلق على الإبل . أما قبيلة الركيبات فقد مكنتها قوتها العددية والعسكرية في القرن التاسع عشر من  اكتساح مجالات واسعة من غرب الصحراء شملت الساقية الحمراء و زمور في اتجاه الحوض  وتيرس وآدرار جنوبا حتى حدود واحات باني شمالا (48)  وكان الرحل يقطعون أحيانا ما يناهز أربعين مرحلة في اليوم أي ما يقارب 160كلم في اليوم (49) , وقد قدر قطيع الإبل عند كبريات فصائل الركيبات لكواسم ما يناهز أربعين ألفا من الإبل , وقد يتوفر بعض الرحل من هذه القبيلة على قطيع يفوق ألفين من الإبل (50) .  وقد كان للإبل دور كبير في هذا التوسع المجالي وفي التحركات العسكرية للقبيلة التي دخلت في سلسلة من الحروب المتتالية مع مجموعة من القبائل في المنطقة (51) , ويكفي أن الإبل كانت في بعض المناسبات سببا في نشوب النـزاع المسلح بين الركيبات وغرمائهم . فهذا محمد سالم ولد عبد الحي في مخطوطه الخاص بالركيبات يقول : " إعلم أن أول من تقاتل مع الرقيبات تجكانت . وسبب ذلك أن رجلا من الرقيبات علمه الركيك بن الصغير كان مؤجرا عند تجكانت على قراءة القرآن للصبيان . فطالب الرقيبي الجكني بالبعير المتلزم له في الإجازة , فتشاجر معه في المسجد . فضربه الجكني بخنجر فسقط الرقيببي ميتا (...)فلما بلغ الخبر لعامة الرقيبات اجتمعوا وانتدبوا رجالا من أعيانهم وذلك عام أحد عشر من القرن الثالث عشر (52).                                                        

وفي إطار تمتين تحالفاتها الداخلية كانت القبيلة تتميز بأسلوب متميز في التكافل داخل القبيلة تكون الإبل هي محوره الأساسي . إن مفهوم " المال الحي Le cheptel vif" الذي يوظف في عملية " المنيحة " التي توزع بموجبها الإبل على الخيام الفقيرة , وهي من أسباب توزيع قطعان الإبل  في مجالات متعددة ومتناثرة (53) ثم أنها لعبت كذلك دورا كبيرا في الإبقاء  على أعداد كبيرة من هذه القطعان في منأى عن الهجمات العسكرية المباغثة الممثلة في" الغزيان ".

وكانت الإبل ورقة ظاهرة في علاقات القوى المحلية بجهاز المخزن في أطار سياسة شد الحبل , ذلك أن أسرة آل سيدي هاشم كانت ترسل هدايا كبيرة إلى السلطان المولى سليمان تضم من بين ما تضمه خمسمائة من العبيد وخمسمـائة مـن الإبـل وخمسمـائة من الخيل . وكانت هذه الأسرة بإرسالها هذه الهدايا توصل خطابا للمخزن مفاده أنهـا تـتوفر علـى ما يكفـي من الإمكانـات المادية التي تجعلـها تحضى بمكانة  لاتـقل أهميـة  عـن مكـانة السلطـان (54).

من خلال هذه المعطيات يتضح أن الإبل كانت حاضرة في نسج شبكة العلاقات السياسية والعسكرية , ولكن قيمتها التاريخية كانت قد طمرت من طرف الإخباريين الأوائل , فكان هذا المحور يميل إلى نفس الاتجاه الذي سار عليه فرنا ند بروديل في جعل البحر المتوسط محور التاريخ الأوربي عوض الاعتماد على التاريخ السياسي في تفسير الأحداث .    

3.  الإبل  والحـراك الاقتصادي : 

إن الحديث عن الحراك الاقتصادي في منطقة غرب الصحراء يستدعي منا الوقوف على النشاط التجاري في هذا المجال الذي اعتبر باستحقاق متربول التجارة العالمية في الفترة الوسيطية وبداية الفترة الحديثة . وكانت أهم خاصيات مدن غرب الصحراء أنها كانت عبارة عن محطات طرقية باتجاه إفريقيا جنوب الصحراء , فعبرها انسابت قوافل الإبل من وإلى ما وراء الصحراء حاملة البضائع والأفكار , وكانت ظهور اليعملات والنجائب تحمل بضائع السودان الغربي فكانت الشريان الرئيسي لتجارة موانئ البحر المتوسط في العصر الوسيط (55) , وموانئ المحيط الأطلنطي في الفترتين الحديثة والمعاصرة .

وقد رسم البداة بمعية إبلهم طرقا ومسالك تجارية اخترقت الصحراء وفق حسابات أخذت بعين الاعتبار المعطيات الجغرافية من تضاريس ومناخ وغطاء نباتي ونقط الماء التي كانت هي أساس التحرك والسفر والارتحال  من وادي نون حتى السودان الغربي . إن المدن المحطات الخاصة بالقوافل التجارية في تراب البيضان : كليميم , تيندوف , تنبكتو , شنكيطي , وادان , تشيت و ولاتة كانت بمثابة موانئ مفتوحة في وجه الرحل بفعل شريان الصحراء ( الجمل ) الذي كسر العوائق التي تمثلها الصحراء ليربط بين ضفافها التي أصبحت توحد المجموعات  القبلية أكثر مما تفرقها (56) , لكن مع ذلك فالرحلة لم تكن تمر في ظروف مريحة , فتهيئ قافلة تجارية مثلا وتوجيهها إلى تنبكتو هو من الصعوبة بمكان , فاجتياز الصحراء كانت تشوبه عدة إكراهات منها على الخصوص مشكل التزود بالماء من طرف الإبل والتجار (57) . وكما أشرنا سابقا فإن القوافل تراعي العامل المناخي في تحركاتها .  وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار بطء سير القافلة التجارية , فإنها تقطع المسافة بين المغرب وتنبكتو في ظرف أربعة أشهر ذهابا وإيابا . وكان التجار يستقرون في بلاد السودان زهاء شهرين أو ثلاثة أشهر , وتأتي هذه المدة الزمنية لعاملين اثنين : الأول يتعلق بممارسة أعمال التجارة , والثاني يتعلق باستراحة الإبل والتجار من عناء الرحلة (58). ويمكن أن تصل مدة الرحلة ما بين ستة أشهر وثمانية أشهر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بعض العمليات التجارية التي تتم أثناء الرحلة في محطات مختلفة . و بارتباط مع الظروف المناخية , فإن القوافل تتجمع في الصحراء في فترة الخريف لتتحرك إلى السودان وتقيم هناك فصل الشتاء ولاتتحرك متجهة صوب الشمال إلا مع نهاية فصل الشتاء لحاجة الرحل إلى مراعي صالحة لتغذية الإبل (59). من خلال هذه المعطيات , يمكن القول بأن العلاقة هي جدلية بين الإبل والتجارة والجغرافيا .

وكان غرب الصحراء شاهدا على العلاقة الحميمة بين الإبل والسلع  وأهمها مادة الملح , لهذا اتفقت كل المصادر و المراجع والدراسات على هذه العلاقة . ويشير فرنا ند بروديل إلى هذه الأهمية أثناء حديثه عن التجارة الصحراوية حيث كانت كتل الملح التي تحملها قوافل الإبل تجتاز الصعاب والعقبات وتصل إلى بلدان أفريقيا السوداء  , ويبادلها التجار بخام الذهب والعاج والعبيد (60) , ويضيف بروديل بأن الحاجة إلى هذه التجارة هي حاجة عارمة لا سبيل إلى كبتها (61) .

وكان غرب  الصحراء عبر تاريخه الطويل موطنا لعدة ملاحات بلغ صيتها الآفاق , فكل المصادر التاريخية  تحدثت عن ملاحات تاودني واجيل وأوليل و تيغازى . ففي حدود القرن الثاني عشر كان ملح تيغازى يحمل على ظهور الإبل من طرف تجار سجلماسة (62) . أما ملاحات تاودني فكانت تستغل لمدة قرون من طرف أهل تنبكتو , وقد كانت هذه الملاحات مثار صراع تاريخي بين ملوك صونغاي والمغاربة , وتوفر كل سنة ما يناهز خمسة عشر ألف عديلة من عدائل الملح زنة كل واحدة منها حوالي أربعين كيلوغراما (63). أما ملاحة كدية اجيل فيستخلص منها الملح على شكل ألواح تشكل أربعة منها حمولة جمل (64) , وأورد عبد اله ولد الحاج إبراهيم في مؤلفه "صحيحة النقل " أنه خرجت في يوم من الأيام من شنقيطي قافلة  (أزلاي) يصل عدد ها إثنان وثلاثون ألفا من الإبل محملة بالملح عشرون ألفا منها في ملك أهل شنقيطي , واثنا عشر ألفا منها في ملك أهل تشيت (65) . وفي نفس السياق أورد الشيخ سيدي محمد الكنتي في " الرسالة الغلاوية " أنه تنطلق من كدية اجيل آزولاي تصل أعدادها عشرون ألفا من الإبل , وتصل حمولة كل جمل ما يناهز مائتي كيلوغرام أي بحمولة سنوية تصل إلى أربعة أطنان (66) . وتعود هذه القوافل غالبا إلى وادي نون محملة بكميات كبيرة من الذهب والصمغ والعبيد والعاج (67) . وما دامت منطقة غرب الصحراء قد  شهدت رواجا تجاريا , فقد كان الرواج غالبا ما يتم بالمقايضة , وفي هذا الإطار كانت الإبل حاضرة حيث يقايضها التجار بالأثواب , وأورد الشيخ ماء العينين في رحلته الحجازية ما نصه : " إن بلادنا لايعرف أهلها دينارا ولا درهما فاعتبروا غاية وقالوا لي بما التصارف عندكم فقلت بالأنعام والأثواب " (68) . ويسير أحمد الأمين الشنقيطي في نفس الاتجاه حيث يشير إلى أنه " بقي أن نتكلم على ما يتعاملون به بينهم , عوض الدراهم فإن أكثر ذلك إنما هو القماش والغنم وكل جنس المواشي المعروف الأثمان . فالبيصة , وهي علم على ثلاثين ذراعا من القماش , مثل الريال عند غيرهم . فيقولون بكم تبيع هذا العبد أو الجمل, أو البقرة مثلا فيقول بعشر بيصات (69) .

والخلاصة أن الإبل كانت حاضرة في الرواج التجاري بكل أطيافه , وبفضلها تغير وجه منطقة شمال أفريقيا بصفة عامة وغرب الصحراء بصفة خاصة , وقد أحدثت بامتياز ثورة  اقتصادية  ,حسب اعتقاد كوتيي ,شبيهة بتلك التي أحدثتها السكة الحديدية في أوربا ,  تربعت المنطقة بفضلها  فوق عرش التجارة العالمية  في فترات تاريخية معلومة.

 

4.  الإبــل والفتـــــاوى:

في إطار التوظيف الديني للإبل , عجت الفتاوى الدينية بحالات متعددة خاصة بالإبل لا لشيء إلا لأنها كانت تصور حالة المجتمع في بعض تفاصيله الدقيقة , وإضافة إلى ما تحمله هذه الفتاوى من مضامين اجتماعية هامة , فإنها تقنن , ووفق اجتهادات فقهاء المالكية , الاستعمالات المختلفة للإبل سواء تعلق الأمر بالبيوع و المداراة والغصب والمغرم ومسائل الرد بالعيب ونوازل الاستحقاق .  وفي هذا الإطار سئل الشيخ سيديا الكبير عن قيمة البعير من الخنط في الصداق فأجاب قائلا : " وأما بعير الصداق فليس عندنا عرف في قيمته من الخنط , لكن بلغنا أنه كان قبل زمان كثرة الخنط عند أهل الإبل من الزوايا وعند بني حسان يؤخذ عنه نصف بيصة والصواب عندنا في زمان كثرة الخنط أن البعير يدفع مقابل بيصة واحدة ( ملحفة وإزار ) (70) . وسئل سيدي محمد بن المختار بن الأعمش  "عمن أبضع بعيرا مع شخص في سفره فنحره وادعى أنه عطش فهل يلزمه أم لا ؟ فأجاب ففي السؤال إجمال فلم يبين السائل هل البعير هو الذي عطش أو المبضع معه ونحن نفصل في الجواب فإن ادعى أن البعير عطش ونحره خوف موته فنحر وذلك في حق الراعي والمودع ونحو ذلك مصدق ما لم يأكل فإن أكل لم يصدق وإن ادعى أنه هو الذي عطش فنحر البعير ليشرب من فرثه فهو من المواساة الواجبة والأرجح لزوم الثمن لناحر البعير إن كان عنده "(71). وفي مسائل البيوع , سئل "عن بيع الحوار هل يجوز أم لا ؟ فأجاب بأنه يجوز على المشهور وليس فيه غرر والتفريق بينه وبين أمه جائز على المشهور (72) . وفي مسائل الرد بالبيع , سئل "عن مشتري الجمل ثم اطلع على عيب فيه ثم رحل عليه في يوم الخوف هل يعد ذلك رضى بالعيب أم لا ؟ فأجاب أن حمله عليه إن كان لضرورة بحيث لا يجد غيره فلا يعد رضى بالعيب عند ابن القاسم فإن كان بعد الحمل على حاله فليرده وإن تغير بنقصان رده وما نقص أو بحسبه ويأخذ قيمة العيب وإن لم تكن ضرورة بحمل بعد علمه بالعيب فإن الحمل يلـزمه ولا رد لـه فهـذا التفصيـل قـول ابـن القاسـم وقـال أشهب إن الحمل بعد علمه رضى مطلقا والمشهور الأول "(73) . وفي نفس السياق " سئل عمن اشترى بعيرا متيقنا برأه من مرض فيه ثم رجع له المرض وهلك به هل له الرجوع أم لا؟  فأجاب بأنه لا رجوع له إلا بشهادة عادلة أن الأول لم يبرأ فيحلف المشتري حينئذ أنه لم يرض به ويرده  . وسئل عمن اشترى بعيرا برئ من مرض ثم رجع له المرض فمات به ؟ فأجاب بأنه لا  يرده  بذلك لزوال عيبه لأن المرض الثاني يحمل على أنه حدث به  إلا محتمل العود كما قال الشيخ " (74) . وأما في نوازل الكراء فقد أورد قائلا في جوابه عن سؤال , " أما كراء البعير إذا وقع على الوجه الذي ذكرتم من الإبهام من عدم اشتراط القبض أو تأخيره  صح عند أشهب وابن حبيب وهو الذي أفتى به في هذه المسألة لما يعضده من النظر وعليه فلصاحب الكراء كراؤه وقد ذهب به واستحلل أنت أخاك في ما زاد على حمل متاعه "(75)                                                  

وفي مسائل الاقتضاء, أجاب عن سؤال بما نصه : " وأما فسخ الدين في مقوم غائب كبعير أو فرس أو عبد ونحو ذلك من المغيبات فإن كان الغائب يقبض في يوم ونحوه فهو جائز وإلا فلا يجوز خلافا لأشهب وهو معنى قول الشيخ ولو معينا يتأخر قبضه كغائب (76) .

وفي معالجته لمسائل الغريم , سئل " عمن قضى خمسة من الإبل الثابتة في ذمته بالشهود لزوجته بالدار وإن الميت له دور وكتب وإبل و بقر وعبيد (...) وأوصى ألا يغير ذلك ودعا على من أراد تغييره . فأجاب : (...) إن كانت النازلة من(...) باب الاستفتاء فإن المريض باع لزوجته الدار بالإبل التي في ذمته وبيع المريض جائز اتفاقا ما لم يحاب فمن ادعى من الورثة المحاباة أو التوليج فعليه إثباته بالبينة  والتوليج عند الفقهاء يطلق على معنيين أحدهما حيلة بلا عقد أصلا وهذا هو التوليج في اصطلاح الموثقين والآخر محاباة مع العقد (77) .

وفي تناوله لنوازل الاستحقاق سئل ابن الأعمش " عمن اشترى بعيرا من السودان وهو عالم بأنه مغصوب وحمل عليه حملا فأتـى به وادعاه مدع وقال من بيده إنه فداه لربه وأن قدر الفداء كذا وكذا فهل يصدق في ذلك بغير بينة ولا يمين مع حمله عليه أو لا يصدق إلا ببينة تشهد على قدر الثمن وأنه أشهدهم عند الشراء أنه إنما يفديه لربه وكيف إذا كان المشتري لصا كفلاني أو كافر كبنباري أو واحد من الزوايا والحال أنه اشتراه هو من أحد المذكورين وكيف إذا كان الفداء ثمن مثله أو أكثر أو كان الفادي غير ذي جاه  وهل مدعي البعير إذا لم يجد بينة يستحقه بيمين أو لا يستحقه بذلك إلا إذا  وصفه قبل رؤيته بما توصف به الضالة وأما إذا رآه قبل وصفه له فلا يستحقه إلا ببينة وكيف إذا كان المدعي مستغرق الذمة من الأعراب المستغرقين أو غيرهم هل الحكم في ذلك سواء أم لا . فأجاب أن ادعاءه الفداء لربه مع حمله عليه حيلة منه وفجور (...) وأما إن فداه لنفسه فإنه يؤخذ منه مجانا (...) لما يخشى أن يكون مالكه غيره (...) أو ما يقوم مقامهما في العادة كالوسم حيث علم أن المفدي منهم أغاروا على المدعي (...) العدة جرت عند هؤلاء اللصوص أنهم لا يطلقون ما في أيديهم إلا بفداء إلا الناذر (78).

وفي نوازل الإجارة والجعل سئل بن الأعمش " عمن آجر رجلا يجيء ببعير له ثم جاء البعير قبل شروع الأجير في المشي . فأجاب بأن الإجارة تنفسخ على مقتضى عادة أهل هذا الزمان لأن العادة كالشرط وإن جاء بعد الشروع  فله الإجارة كاملة . وسئل عمن جاعل رجلا على إتيان ببعير أو غيره ثم حصل قبله . فأجاب أنه من باب الجعل الإجارة فإن كان قبل الشروع فلا شيء له بلا شك وإن كان بعد الشروع فله أجرة المثل عملا بقول الشيخ إلا بجعل مطلقا فأجرته لأن غالب مجاعلة هذه البلاد فاسدة . وسئل عن مسألة تعرف من جوابها فأجاب بما نصه " وأما من أتى بأباعير جوعل عليها إلى أثناء الطريق فغصبوا منه فلا شيء له إن كان الجعل صحيحا لعدم التمام وإن كان فاسدا مطلقا كعادة هذه البلاد فله أجرة المثل (79). وسئل عن رجل مات وترك عصبة بني أعمامه فقاموا إلى تركته فباعوا بعيرا منها وزادوا  ثمنه على زرع تركه واقتسموا ثمن البعير مع الزرع . فأجاب : أما حكم الذي أكلته بنو الأعمام فإنهم يغرمونه للولد بلا خلاف كما ذكره ابن رشد وأما البعير الذي تغير بدنه وصفته فإن العصبة والورثة يغرمون للولد منابه وبيع البعير ماض لا يرد وسكت الشيخ رضي الله عنه عن تصرف الورثة (80).                                                                                       

من خلال هذه الرزنامة من الفتاوى التي أوردناها, وهي في غالبيتها للعلامة سيدي محمد بن المختار بن الأعمش  يتضح أن الفقهاء في غرب الصحراء قد تعاملوا مع هذا الكيان الاجتماعي والعسكري والاقتصادي في نوازل طارئة استعصى على العامة التعاطي معها في حياتهم اليومية . ويبقى الميدان الثقافي بدوره حاضرا من خلال الإبل التي ستعمل على المساهمة في انتعاشه وإعطائه صبغة خاصة .

 

5. الإبـــل والحــــراك الثقــافي :

شهدت  الحياة الثقافية في غرب الصحراء نقلة هامة مع دخول الثقافة العربية الإسلامية مع الفاتحين في بداية الفتوحات , لتتجدر مع الحركة المرابطية في ظل زعمائها الروحيين وعلى رأسهم عبد الله بن ياسين صاحب رباط شنقيط , وأبو بكر بن عمر الذي قام بأعمال دينية واجتماعية ساهم من خلالها في تكريس نشر الثقافة العربية التي كان يغلفها الطابع الديني وتوجهها قواعد المذهب المالكي (81). وبفضل الإبل استطاع المرابطون التغلب على الإكراهات الجغرافية لنشر مبادئ الدين والثقافة العربية الإسلامية . وقد وضع  المرابطون اللبنات الأولى للتخصص في المعرفة بجميع مشاربها مستقبلا أي في القرون اللاحقة خاصة مع دخول قبائل معقل إلى المنطقة وانتشار ثقافة جديدة هي الثقافة الحسانية التي ستصبح الوعاء الحاوي للثقافة العربية والصنهاجية والزنجية (82) .

وقد ساهم نمط العيش المبني على البداوة في تحريك عجلة النقل الثقافي الذي ساهمت فيه بامتياز الإبل , فنشأت ثقافة الترحال التي هي نقيض لثقافة الاستقرار , فغابت أو نذرت الوثائق المكتوبة والمخطوطات المسطورة وعوضتها الثقافة الشفهية التي كانت من إنتاج الإبل والرحل , وذلك في ظل مقولة مؤداها متى كان الاستقرار كان التواجد قويا للوثائق ومتى كان الترحال كان الحضور قويا للرواية الشفوية . ويمكن الإشارة أيضا إلى أن التدوين في غرب الصحراء ستتخصص فيه مجموعات قبلية معلومة في أطار التقسيم الاجتماعي للعمل خاصة بعد نهاية حرب " شر ببه " التي ستفرز قبائل السيف وقبائل القلم . وقد كانت لهذه الحرب نتائج هامة على المستوى الثقافي , " فقـد انكـب الزوايا على التعلم لصيانة مكانتهم التقليدية وحماية أنفسهم من التحول إلى غارمين فأصبحوا حماة للغة العربية وآدابها والناطقين الرسميين باسمها ,فوطد ذلك دورهم الثقافي ومكانتهم الاجتماعية "(83)  كما ستساهم  هذه المتغيرات  في تأسيس الثقافة الشفهية التي أصبحت الوعاء الذي يحوي قيم وتمثلات مجتمع غرب الصحراء .

كانت القبائل الزاوية ( أصحاب القلم) تجوب غرب الصحراء في حركة ذائبة بهدف اكتساب و نشر العلم والمعرفة على ظهور اليعملات والنجائب . وكانت المنطقة تتميز بتعليم خاص يتجسد في الدور الذي لعبته المحضرات وهي وحدات تعليمية متنقلة وفق خصوصيات البيئة الصحراوية , فكانت الإبل تحمل ليس فقط السلع و البضائع بل تحمل أيضا العلم والأفكار , وقد تغنى في هذا الباب المختار ولد بونا الجكني قائلا :

                  

 نحن ركب من الأشراف منتظـــــم            أجـل ذا القـــــــــدر أدنـانـا

 قد جعلنا من ظهور العيس مدرسة             بها نبين دين الله تبيانا(84)

وقد نمت حياة البداوة وغذت ظاهرة الرحلة من أجل طلب العلم إما في مراكز العلم المشهورة في غرب الصحراء , أو مراكز الثقافة الإسلامية في الجزيرة أو في مصر أو في القيروان . وقد تخصص أبناء الزوايا في هكذا رحلات بارتباط مع موقعهم الاجتماعي  , ففي حديثه عن الشيخ سيدي محمد ولد الشيخ سيديا , أشار أحمد الأمين الشنقيطي إلى أنه كان عالي الكعب في معرفة النحو والتاريخ , وغير ذلك . وتوجه من بلاده إلى الحج , ثم رجع من غير أن , لعارض اقتضى ذلك , ولما بلغ إلى الساقية الحمراء قال :

 أحمـراء السـواقي مـــا ورائـــــي                       الآن غربت أيها الإنتشائـــي

 تخال نصيص فتـل العيـس شهــرا                      يدوم من الصباح إلى المساء

 ولا ينــــأى بــه مـن مكــــــان دان                      ولا يدنو بــه ما كــــان نــاء (85)        

ومن بين الذين رحلوا على ظهور إبلهم للحج وطلب العلم الطالب بن طوير الجنة أحمد الوداني الحاجي    1265)\ 1848)عالم درس على يد سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم فمكث معه عشرون سنة . دون  رحلته إلى الحج المسماة " رحلة المنى والمنة " (86) . كانت الرحلة على ظهور الإبل التي كانت تحمل الأشخاص والكتب التي قدم بها ولد طوير الجنة من الشرق , ناهيك عن أحمال الإبل من الكتب التي نقلها من المغرب إلى شنقيط بدعم من السلطان المغربي عبد الرحمان بن هشام (87) . ومن أشهر العلماء الذين رحلوا في طلب العلم محمد الأمين ولد زيدان " الذي ولد في بيت علم من قبيلة تجكانت المشهورة بعلمائها ومحاظرها العريقة وأخذ العلم في مرابع صباه ثم رحل في طلبه (...) وتؤكد مؤلفات الرجل وما وصلنا من أخباره أنه بعد رحلة التعلم صار راسخ القدم في علوم عصره " (88). إلى جانب هؤلاء نجد الشيخ ماء العينين الذي شد الرحال بدوره على ظهور الإبل من منطقة الحوض إلى الساقية الحمراء وبعدها إلى المشرق لطلب العلم ونشره ,  وبعد عودته من الحج توقف في تندوف التي كانت تضم جامعا تدرس فيه العلوم فجلبته إليها فأصبح شيخا من شيوخ العلم , وانتشر صيته في سائر بلاد الساقية الحمراء بعد أن استقر بها وندب نفسه للبحث العلمي والعزلة الفلسفية .

ساهمت هذه الرحلات مجتمعة مع رحلات أخرى عديدة في تكريس ظاهرة النقل الثقافي التي أنتجتها حياة البداوة عبر التاريخ الطويل لغرب الصحراء . وقد أدت عملية النقل هذه , التي كانت على ظهور الإبل , إلى حدوث سيولة ثقافية بين غرب الصحراء وباقي مناطق شمال أفريقيا والشرق . إن الإبل عملت بشكل غير واع على  تنشيط تيارات الحمل الثقافي ومن تم خلقت عمليات تثاقف كبرى في المنطقة تم تمرير معظمها بالطرق السلمية .

 

خاتــمة :

إن التاريخ العام لغرب الصحراء لن تتم مناولته في منأى عن الإبل التي كانت من بين أهم محركاته بامتياز . فقد رأينا كيف ساهمت الإبل في خلق حركية اجتماعية ذائبة في اتجاهات عمودية وأفقية أدت إلى نتائج عميقة على صعيد الأنسجة القبلية في المنطقة . كما ساهمت الإبل في رسم الملامح العامة للحياة السياسية والعسكرية للمنطقة حيث ساهمت في تقوية كيانات وتنحية كيانات أخرى , وتقوية جيوش ودحر جيوش أخرى . وإذا كانت منطقة غرب الصحراء قد عرفت طفرة تجارية احتلت بموجبها مكانة متقدمة في التجارة العالمية في فترات تاريخية معلومة , فإن ذلك لم يتم بمنأى عن الإبل التي كانت عصب هذه التجارة وشريانها الرئيسي فانسابت السلع والبضائع والعبيد عبر ضفاف غرب الصحراء عابرة شمال أفريقيا نحو البحر المتوسط وأوربا . كما كان للإبل باع في إحداث حركية ثقافية إن على مستوى إنتاجات الفقهاء من فتاوى واجتهادات فقهية , ناهيك عن الطفرة الثقافية التي أحدثتها بفعل انخراطها المباشر في رحلات طلب العلم والمعرفة . فكانت الإبل بحق سفن الصحراء التي نقلت الناس والجيوش والبضائع والمعرفة في أكبر عمليات مثاقفة شهدها تاريخ غرب الصحراء الطويل .

 

    

 


1- سورة الغاشية , الآية 17.

2- سورة قريش , الآية 2   .

3- سورة النحل ,الآية    7  .

4- نفسهــــا ,الآية  80   .

5- عبد الهادي عبد الرحمان , التاريخ والأسطورة , دار الطليعة, بيروت ,ط1,1994, ص43.

6-Nl`histoire`Gallimard,1974,pp198 199athanWachtel,L`acculturation,inFaire 

7- Med Lahbib Nouhi, Apropos de l`introduction du dromadaire au maroc,in L`homme et le dromadaire en Afrique ,publication s de la faculte des lettre et des sciences humaines , Agadir ,1994, p21

8- Ibid

9- Ibid, p22

10-Ibid , p23

11- Ibid

12- Ibid , p 24

13- إبن حوقل,صورة الأرض , منشورات مكتبة الحياة , بيروت ,1979, ص 95.

14- نفسه , ص 97.

15-V.Monteil , Essai sur le  chameau au sahara occidental, centre IFAN saint louis, du senegal, 1952

16- ابن حوقل , م س , ص 98.

17- نفسه

18- ابن خلدون , المقدمة , دار القلم , ط11 , 1992, ص 87

19- نفسه

20- نفسه

21- ابن حوقل, م س , ص 98

22- ابن خلدون , م س , ص 87

23- نفسه , ص  91

24- محمد حسن الوزان ,وصف افريقيا , ترجمة محمد الأخضر,دار الغرب الإسلامي, ط2, 1983, ص259

25- Maurice Barbier ,Voyage et exploration au Sahara occidental au XIXe siecle,Editionl`harmattan,paris,1985,pp58, 60            

26- Ibid

27- C. Bataillon , Nomades et nomadisme au sahara , UNESCO, 1963,

 p 38

28- فرناند بروديل , الحضارة المادية والإقتصاد والرأسمالية , ج 1, ترجمة مصطفى ماهر , دار الفكر , ط 1, القاهرة , 1993, ص 109 .

29- D.J.Meunie, Le Maroc saharien , 1982 , p 369

30- Ibid , p 419

31- عبد الهادي عبد الرحمان ,م س , ص 35

32- نفسه , ص, 381

33- O.puigaudeau, Arts et coutumes desMaures ,Hesperis , Vol  VIII  1967 , 132

34- عبد الهادي عبد الرحمان , م س

35- نفسه

36- نفسه

37- محمد حسن الوزان , م س , ص 259

38- نفسه , ص 260

39- نفسه

40- نفسه

41- نفسه

42-   Adam Ba Konare ,Les relations politique et culturelle entre le Maroc et le Mali `a travers lesages, publication de l`Institut des Etudes Africaines, Rabat ,1991,p 16                                                                                      

43- Ibid

44- Ibid , p 20

45-  عمر ناجيه , البنيات الإجتماعية والإقتصادية لقبائل وادي نون في القرن التاسع عشر , بحث لنيل د.د. ع بجامعة محمد الخامس , الرباط , 1999, ص 118

46- M. Barbier ,opcit , p 162

47- O. Puigaudeau, opcit , p 133

48- Ibid , p 138

49- M. Barbier, opcit, p 106

50- C. Cauneille, opcit , p 91

51-  أنظر في هذا الباب محمد سالم ولد الحبيب , جوامع المهمات في أمور الرقيبات , تحقيق وتقديم مصطفى ناعمي , المعهد الجامعي للبحث العلمي , الرباط , 1992

52- نفسه , ص 83

53- M. Barbier, opcit , p 106

54- C. Bataillon , opcit, p 55

55- عبد الله العروي , مجمل تاريخ المغرب , ج الثاني , المركز الثقافي العربي , الدار البيضاء , ط 1, 1994 ,, ص 225

56- O.Puigaudeau, opcit, 145 

57- C. Cauneille, opcit, p 91

58- D.J.Meunie, opcit, p 407

59- Ibid

60- Ibid

61- Ibid

62- Ibid

63- C. Leheraux, lesfrancais au sahara , Alger,  p 254

64- O.Puigaudeau , opcit, p 145

65- Ibid

66- Ibid

67- M.Barbier, opcit, p 141

68- المختار ولد حامد حياة موريتانيا , جزء الجغرافيا , منشورات معهد الدراسات الإفريقة , الرباط , 1994, ص 120, 122

69- أحمد بن الأمين الشنقيطي , الوسيط, مالخانجي للطبع ,القاهرة ,1989, ص 523

70- نفسه

71-محمد الأمين بن الشيخ محمد حافظ , تحقيق نوازل سيدي محمد المختار بن الأعمش , بحث لنيل د.د.ع ا لدراسات الإسلامية , جامعة محمد الخامس , الرباط , 95,96, ص 28

72- نفسه , ص 9

73- نفسه و ص10

74- نفسه , ص12

75- نفسه , ص 84

76- نفسه , ص 17

77- نفسه , ص 18

78- نفسه , ص ص 35, 44, 45

79- نفسه ,ص 47

80- نفسه , ص72

81- O.Puigaudeau, opcit, p 130

82- Ibid, p 132

83- محمد المختار ولد السعد , الفتاوى والتاريخ , ص 148

84- خليل النحوي , بلاد شنقيط المنارة والرباط , منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم , تونس  , 1987  , ص 229.

85- أحمد الأمين الشنقيطي , م س , ص 246

86- رحلة ابن طوير الجنة .

87- نفسه ص ص 226, 227

88- تاريخ القضاء في موريتانيا من عهد المرابطين إلى الإستقلال , اجاز المدرسة الوطنية للإدارة بالتعاون مع الأساتذة أحمد سالم ولد محمدو , محمد المختار ولد السعد , محمد حافظ ولد اكاه , تونس , 1997, ص 113.