البحث في الموقع

المرأة الصحراوية في الكتابات المغربية

المرأة الصحراوية في الكتابات المغربية

 

إن المرأة المغربية بصفة عامة، لم تنل اهتماما كبيرا في الكتابات التاريخية، سواء الوسيطية أو الحديثة أو المعاصرة، (من لدن المؤلفين والإخباريين)، إلا ما جاء في كتب التراجم والمناقب من إشارات لا تشفي غليل الباحث، كما لو كانت تعيش خارج التاريخ، ولم تسهم في صنع أحداثه؛ بل قد اعتبر ذكر المرأة عند بعض المؤرخين "قبحا وتشنيعا في حق المؤرخ وجرحا في حقه"([1]) في حين شكلت المرأة قضية اجتماعية وأخلاقية في ذهنية المجتمع المغربي الذي يعتبر مجتمعا ذكوريا بامتياز وكذا في ذهنية العلماء، عدا النساء الصوفيات والشريفات وذوات الحظوة والجاه والسلطة.

وارتباطا بموضوع الدراسة الذي نحن بصدده والمتعلق بالمرأة الصحراوية، فقد وقفنا على مجموعة من الكتابات المغربية سواء العامة أو الخاصة –وذلك بحسب اطلاعنا- التي كانت مادتها التاريخية شحيحة لدرجة قد تصبح فيها أو من خلالها المرأة الصحراوية غي ذات أهمية، بحكم تغافل معظم المؤرخين عن الخوض فيها وفي دورها داخل المجتمع.

المرأة الصحراوية في الكتابات العامة:

يحيلنا الحديث عن وضعية المرأة في المجتمع الصحراوي بشكل مباشر إلى قضية جوهرية، تتصل بإشكالية إعادة كتابة تاريخ المغرب، فتناول هذه الوضعية من خلال المصادر المغربية يَبرز بكيفية جلية في المراحل التي مرت منها كتابة تاريخ بلدنا.

فخلال العصر الوسيط كان التأليف في موضوعه دائما تاريخ أفراد، حيث اهتمت معظم الكتابات التاريخية المغربية بالحدث السياسي والعسكري المهتم بأنظمة الحكم، في حين لا يشار، لموضوع المرأة إلا لماما، إما في سياق الحديث عن الأمور الخاصة في حياة الملوك، أو ضمن بعض الوقائع المتصلة بالنزاعات حول الحكم، وبالتالي تنعدم الإفادات عن النساء من عامة الناس.

ولا نستثني في هذا الصدد إلا ما ورد في بعض الرحلات التي وقف أصحابها على معالم الحياة العامة، من قبيل رحلة ابن بطوطة، الذي قدم وصفا عاما عن المرأة الصحراوية، فقد زار ابن بطوطة مجال القبائل الصنهاجية سنة 753هـ، عبر طريق سجلماسة وتغازىوولاتة، وما يهمنا في دراستنا هته هي منطقة ولاتة، التي مكث بها أكثر من شهر، وتعرف خلالها على عادات وتقاليد سكانها المنحدرين من قبيلة مسوفة الصنهاجية، ومن بين ما وقف عليه ابن بطوطة، المكانة التي تحتلها المرأة الصحراوية في هذا المجتمع، ومن الأمثلة التي قدمها مسألة الإرث التي كانت تتم من جهة الأم، وانتساب الأبناء لخالهم، إلى جانب وضع الشروط من قبل الزوجة على الزوج إذا كان من خارج قبيلتها، والتي منها: أن يستقر معها، وأن لا تسافر معه([2]) مستغربا من تعايش الشرع مع العرف المحلي في مجتمع هذه المدينة جنبا إلى جنب.

حيث يقول: "ومع ذلك فهم قوم مسلمون محافظون على الصلوات وتعلم الفقه وحفظ القرآن."([3]). وعلق أحد الباحثين على هذه المسائل: (أي مسائل: الإرث، الانتساب، نمط الزواج…إلخ) بأنها: "تجسد السلطة الرمزية للمرأة إن لم نقل ترسبات تدل على ما كان للمرأة من نفوذ قوي ومكانة بارزة، ولكن هذا لا يؤدي بنا إلى حد اعتبار أن المجتمع الصنهاجي الصحراوي مجتمعا أميسيا"([4]).

ولعل مسألة الأميسية هاته تجعلنا نستحضر ظاهرة انتساب الأبناء إلى أمهاتهم التي نجدها شائعة بقوة بين بعض القبائل الصحراوية، بالرغم من الإقرار بعدم أميسية المجتمع الصنهاجي، إلا أن ثمة من المؤشرات ما يبين وجود هذه الظاهرة، ومن الأمثلة على ذلك: العالم الشنقيطي ابن رازكَة العلوي المنسوب إلى والدتهِرازكة(بالكاف معقودة)، وأولاد أمية، وأولادالكاسمية، في قبيلة الركيباتوهناك أولاد بنت السيد، وأولاد بنت كلاد، في قبيلة أبي السباع، كما أنه يمكن أن ينسبالولد لقبيلة أمه([5])، وهو الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن الدواعي التي أدت إلى الانتساب للأم والتي تحيل لا محالة إلى مخالفات المجتمع الصنهاجي خلال العصر الوسيط.

كما تميزت الفترة الوسيطية أيضا باختلاف عادات اللباس بين المرأة الصنهاجية، (السافرة الوجه) والمرأة المصمودية (غير السافرة الوجه)، والذي مثل وجها من وجوه الاختلاف بين المرابطين والموحدين.

أما خلال العصر الحديث فقد استمرت الكتابة التاريخية في المغرب على منوالها السردي الوصفي، لكن من حيث المضمون تعددت موضوعاتها، فقد انسجم المؤرخ مع واقعه الجديد، وانعكس ذلك في كتابات العصر التي انطوت على معالم الأزمة التي عاشها المغرب جراء أوضاعه الداخلية، نتيجة التدخل الأجنبي وتغير الظرفية المناخية.

ولعل أبلغ أثر لهذه الأزمة هو ما عبرت عنه النوازل الفقهية، التي بلورت بوضوح الآثار الاجتماعية لهذه الأزمة المتعددة الأوجه، ومن أهم نوازل هذا العصر، ما جاء متضمنا في كتاب: "المعيار المعرب في فتاوى إفريقية والأندلس والمغرب" للونشريسي([6]) والذي يشمل فتاوى تخص المرأة([7])، إلى جانب نوازل ابن الأعمش العلوي الشنقيطي (ت1695م/1107هـ)، التي تعتبر من أمهات النوازل في بلاد شنقيط؛ إذ ضمت هي الأخرى فتاوى تتعلق بالمرأة الصحراوية الشنقيطية([8]).

أما في الفترة المعاصرة فقد اخترنا ثلاثة نماذج؛ الأول كتاب "الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى" لصاحبه أبو العباس أحمد بن خالد الناصري، الذي تحدث عن خناثة بنت بكار المرأة الصحراوي العالمة والفقيهة والأديبة زوجة المولى إسماعيل ومستشارته، وذلك في سياق الحديث عنه، حيث قال عنها: "وكانت ذات جمال وفقه وأدب"([9])معتمدا في ذلك على الرحلة التي ألفها الوزير الشرقي الإسحاقي بمناسبة سفره إلى الحج رفقة الأميرة خناثة وابنها المولى عبد الله، لأن الناصري لم يعاصر فترة المولى إسماعيل([10])

والثاني كتاب: "إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس"، للمؤرخ عبد الرحمان ابن زيدان، الذي تحدث فيه أيضا بإسهاب عن خناثة بنت بكار وعن علاقتها بزوجها المولى إسماعيل حيث يقول: "كانت له وزيرة صدق وبطانة خير"([11])كما عزز حديثه عنها بشهادة مجموعة من رجال الدين والدولة الذين عاصروها من أمثال الشيخ محمد بن علي بن فضل الحسيني إمام المقام الإبراهيمي الذي وصفها بأنها ثمرة الشيوخ المعتبرين، وأبو عبد الله الوزير الشرقي الإسحاقي الرحالة المغربي الشهير الذي رافقها هي وابنها المولى عبد الله إلى الحج، وقال عنها: "فما نعلم واحدة من الحرائر التي دخلت دار الخلافة من أزواج مولانا السلطان تشبه هذه السيدة ولا تدانيها همة وصيانه وعفافا ورزانة وعقل ومتانة دين…"([12]).

والثالث كتاب "المعسول" لمحمد المختار السوسي الذي خص فيه ترجمة لإحدى النساء الصحراويات في الجزء الثالث، وهي مريم الصحراوية والتي وصفها بالعالمة عند قوله: "مريم هذه قرينة الشاعر محمد سالم ولد عبد الفتاح، فكانت هذه السيدة العالمة حين نزلت مع زوجها في: "ألغ" تعلم بنات الحاج"…([13])وفي نفس الجزء نجد شهادة للعالم السوسي الكبير محمد بن أحمد المانوزي (ت1940م 1364هـ) أثناء حديثه عن أهل شنقيط إذ قال: "وفيهن عالمات وأديبات وأقلهن بضاعة في الفقه التي معها المرشد المعيد لابن عاشر وأرجوزة القرطبي، ومن الأدبيات المعلقات السبع وغيرها من أيام العرب، وفيهن مدرسات للعلم في جميع الأنصبة، وقد شاهدنا امرأة وسطا تملي عليهن الشيخ خليلا بلا شارح فخاضت في شرح متنه وحولها من آخذات العلم ما يزيد على الستين امرأة ويحضرون أيضا مجالس العلماء الذكور كثيرا"([14]).

أما في الفترة التي تلت الاستقلال فقد تميزت الكتابة التاريخية بهيمنة الروح الوطنية، إذ ركزت على جهودها للرد على الأطروحة الكولونيالية، بغية إعادة كتابة تاريخ المغرب برؤى مغربية، اعتمادا على الوثائق الرسمية والمحلية.

ومن أهم الدراسات الحديثة التي تضمنت بعض الإشارات عن المرأة الصحراوية، كتاب: "ثقافة الصحراء" لصاحبه عباس الجراري، الذي قام فيه بجرد لمجموعة من النساء الصحراويات اللواتي كان لهن باع كبير في الحركة العلمية بالمجال الصحراوي؛ مثل خديجة بنت الإمام محمد العتيق، وهند بنت الشيخ ماء العينين، وصفية بنت المختار([15]).

إضافة إلى كتاب: "الساقية الحمراء ووادي الذهب" لمحمد الغربي، حيث أشار فيه إلى وضعية المرأة الصحراوية من خلال الحديث عن مكانتها البارزة داخل مجتمعها، والمتمثل في الحفاظ على كيان الأسر نتيجة سهرها على القيام بالأدوار المنوطة بها([16]) كما قام بعرض مختزل لأهم المراحل التي تمر منها تربية الفتاة الصحراوية من طرف أمها وذلك وفق ما يفرضه الدين الإسلامي([17]). وفي إطار فيما سماه "بالعرف الصحراوي" في موضوع التقاضي؛ وقف عبى مسألة الدية المرتبطة بفقء العين بالنسبة للمرأة والتي تصل إلى 25 جملا و500 بسيطة وهي نصف دية الرجل الصحراوي في نفس الحالة، وأشار كذلك إلى عقوبة الزنى للمرأة المتزوجة من طرف زوجها الذي يقوم بجلدها وحبسها مدة ثلاثة أيام وعدم معاشرتها، هذا إلى جانب نشر خبرها في القبائل الأخرى([18]).

وعلى الرغم من ندرة الكتابات التي تناولت موضوع المرأة المغربية على العموم والمرأة الصحراوية بصفة خاصة، فإننا صادفنا بعض الإشارات العرضية عن المرأة المتضمنة لسير الحكام والفقهاء والعلماء والمقاومين…، وهي إشارات لا تتعدى التلميح عن دورها في التنشئة الاجتماعية أو مساندتها للرجل في أعباء الحياة.

وعلى الرغم من الإحجام الظاهر لسير النساء في المصادر فإن التاريخ ظل يحتفظ لنا بأسماء نساء اشتهرن بحضور تاريخي، من قبيل الكهانة في تاريخ المغرب القديم، التي يأتي الحديث عنها في إطار مقاومتها للفتوحات الإسلامية في شخص حسان بن النعمان، كما عرف العصر الوسيط زينب النفزاوية زوجة أبي بكر بن عمر ويوسف بن تاشفين من بعده، ثم العصر الحديث خناثة بنت بكار الصحراوية زوجة السلطان المولى إسماعيل ووالدة السلطان المولى عبد الله وجدة السلطان محمد بن عبد الله.

من خلال ما سبق يمكن طرح التساؤل التالي، هل الحيف الذي عانت منه المرأة الصحراوية راجع للتهميش داخل محيطها القبلي؟ أم إلى هيمنة السلطة الذكورية؟ في حين أن اللواتي برزن داخل مجتمعاتهن ما هن إلى استثناءات….

انتهى

مقتطفات من بحث مطول تحت عنوان: قضايا من تاريخ المرأة الصحراوية للباحثة: الغالية بلعمش.

إنجاز الباحث: مولاي لعبادة نصري.

المصادر:

-        ابن بطوطة تحفة النظار في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار، تحقيق علي المنتصر، بيروت الطبعة 2، 1982م.

-        ابن زيدان، عبد الرحمان، إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس، الجزء 3 المطبعة الوطنية الرباط، الطبعة 2 1990م.

-        أبو العباس، أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية، والأندلس والمغرب، تحقيق جماعة من الفقهاء بإشراف محمد حجي، وزارة الأوقاف الإسلامية 1981م، الرباط.

-        أسكان، الحسين، المرأة الصنهاجية، مجلة أمل، عدد مزدوج 13-14، 1998م.

-        بن الشيخ محمد الحافظ، محمد الأمين، تحقيق نوازل سيدي محمد بن المختار بن الأعمش الجزء الأول، بحث مرقون لنيل دبلوم الدراسات العليا، تحت إشراف محمد أمين الإسماعيلي، جامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإسلامية بالرباط، 1995.

-        الجراري، عباس، ثقافة الصحراء، دار الثقافة الدار البيضاء، سنة 1978م.

-        رحال، بوبريك، دراسات صحراوية، المجتمع والسلطة والدين، دار أبي رقراق للنشر، الطبعة 1، 2005م.

-        السوسي، محمد المختار، المعسول، الجزء الثالث، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1960م.

-        الغربي، محمد، الساقية الحمراء ووادي الذهب، دار الكتاب، الدار البيضاء.

-        الناصري، أحمد بن خالد، الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، الجزء السادس، منشورات وزارة الثقافة والاتصال، 2008.

-        الهلالي، محمد ياسر، نظرة المجتمع للمرأة في مغرب القرن 8و9هـ،/14و15م مساهمة في تاريخ الذهنيات، ضمن مجلة أمل، عدد مزدوج: 13-14، 1998.

-        ولد حامد، المختار، حياة موريتانيا جزء الجغرافيا، منشورات معهد الدراسات الإفريقية الرباط، 1994م.

 


([1])الهلالي، محمد ياسر، نظرة المجتمع للمرأة في مغرب القرن 8و9هـ،/14و15م مساهمة في تاريخ الذهنيات، ضمن مجلة أمل، عدد مزدوج: 13-14، 1998، ص:77.

([2])ابن بطوطة تحفة النظار في غرائب الأمصار، وعجائب الأسفار، تحقيق علي المنتصر، بيروت الطبعة 2، 1982م ج2/ص770.

([3])أسكان، الحسين، المرأة الصنهاجية، مجلة أمل، عدد مزدوج 13-14، 1998م ص68.

([4])رحال، بوبريك، دراسات صحراوية، المجتمع والسلطة والدين، دار أبي رقراق للنشر، الطبعة 1، 2005م، ص66.

([5])ولد حامد، المختار، حياة موريتانيا جزء الجغرافيا، منشورات معهد الدراسات الإفريقية الرباط، 1994م ص:184.

([6])أبو العباس، أحمد بن يحيى الونشريسي، المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية، والأندلس والمغرب، تحقيق جماعة من الفقهاء بإشراف محمد حجي، وزارة الأوقاف الإسلامية 1981م، الرباط.

([7])ويظهر ذلك جليا في الجزء الثاني والثالث والرابع من كتاب المعيار.

([8])بن الشيخ محمد الحافظ، محمد الأمين، تحقيق نوازل سيدي محمد بن المختار بن الأعمش الجزء الأول، بحث مرقون لنيل دبلوم الدراسات العليا، تحت إشراف محمد أمين الإسماعيلي، جامعة محمد الخامس كلية الآداب والعلوم الإسلامية بالرباط، 1995.

([9])الناصري، أحمد بن خالد، الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، الجزء السادس، منشورات وزارة الثقافة والاتصال، 2008، ص:82.

([10])وهذا يجعل كتاب رحلة الوزير الإسحاقي للحج مصدرا مهما للعصر الحديث فيما يخص موضوع المرأة الصحراوية، إلا أننا لم نوفق في الحصول عليه.

([11])ابن زيدان، عبد الرحمان، إتحاف أعلام الناس بجمال حاضرة مكناس، الجزء 3 المطبعة الوطنية الرباط، الطبعة 2 1990م، ص:17.

([12])نفس المصدر، ص16.

([13])السوسي، محمد المختار، المعسول، الجزء الثالث، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، 1960م ص57.

([14])نفس المصدر، ص404-405.

([15])الجراري، عباس، ثقافة الصحراء، دار الثقافة الدار البيضاء، سنة 1978م، ص 28-32.

([16])الغربي، محمد، الساقية الحمراء ووادي الذهب، دار الكتاب، الدار البيضاء، ص152.

([17])نفس المصدر، ص153.

([18])نفس المصدر، ص165.